ابن عربي

103

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

فمتّ يأسا وأسى * كما أنا في موضعي يقول : عللّيه بالمنى ، عديه موعدا حسنا بما يلائم غرضه ، مثل قوله : أوف بعهدكم فإنه يحيي نفسه بذلك ويعي ما يقال له فيلزم الآداب وما ينبغي ، فإن المنى مما تحيى به النفوس ولا سيما إذا كانت من صادق جواد على الإطلاق فإنه ميت بين المكانة الزلفى بالكثيب الأبيض وبين الولوع به والتعلق لأنه حمل شهود المحبوب ، وقوله : فمت يأسا من تعلق الإدراك بحقيقة المطلوب وأسى على ما فات من زمن جهالتي بما ينبغي ، فإنه من طمع فيما لا مطمع فيه خسر الوقت وشهد الحال عليه بجهله . وقوله : كما أنا في موضعي ، أي لم أجد حيث أضع قدم الانتقال على الحالة التي أنا عليها إذ لا أين ولا كم ولا كيف بل تنزيه مجرد ، ثم قال : ما صدقت ريح الصّبا * حين أتت بالخدع قد تكذب الريح إذا * تسمع ما لم تسمع يريد ريح عالم الأنفاس المخبرة بالكوائن التي تودعها حضرة الطيب أو الكلام وجعلها للصّبا ، وهو موضع الشروق يقول : ما صدقت أخبار التجليات حين أتت فيها بصور التشبيه إذ لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء فكأنها أخبار أتت بالأمر على خلاف ما هو عليه فجعله مثل الخديعة وقد يظهر في الشريعة مثل هذا وهو قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ثم قال عليه السلام للسوداء : « أين » اللّه ؟ فأشارت إلى السماء فجعل الخطاب عنه تعالى كخطاب من يسأل عنه من المتحيزات إذ المتحيز هو الذي يقبل ظرفية المكان ، فقال عليه السلام : « أعتقها فإنها مؤمنة » « 1 » فما كلف أمته أكثر مما تسعه أفهامهم وسماه إيمانا وما قال فإنها عالمة فإنه سبحانه لا يتحيز وقولها : في السماء ، تحيز ، فالإيمان يقبل هذا القول والإيمان سبب سعادي وضعه الشرع للخلق والإيمان يستغنى به عن العلم ولا يستغنى بالعلم عن الإيمان . وقوله : قد تكذب الريح إذا تسمع ما لم تسمع مثاله الريح إذا هبت ببدر حنين تسمع آذان الناس أصوات كؤوسات ومعلوم أنه ما ثم كؤوس تضرب ولا طبل فما نقلت صحيحا وإنما تلك الأصوات انزعاجها والهبوب وأماكن مجوفة تعطي تلك الأصوات فعلى الحقيقة أنها أعطت صوتا في آذان السامع لا غير والحاكم عليها بأنّ ذلك صوت طبل أو غيره ليس ذلك وإنما أخطأ أن كان ذلك خطأ الحاكم على ذلك الصوت بأنه كذا ، وكذا كل ما

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه ( المساجد 33 ) ، والنسائي في ( السنن الوصايات ) ، وأحمد بن حنبل في ( المسند 4 / 222 ، 388 ، 389 ، 5 / 247 ) ، والبيهفي في ( السنن الكبرى 7 / 388 ، 389 ) ، والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 2 / 192 ) ، والسيوطي في ( الدر المنثور 2 / 193 ) ، وابن عبد البر في ( التمهيد 7 / 134 ، 9 / 11 ، 115 ، 242 ، 243 ) ، وابن أبي شيبة في ( المصنف 11 / 20 ) والطبراني في ( المعجم الكبير 19 / 98 ، 399 ) ، ومسلم ( إيمان 84 ) ، وابن أبي عاصم في ( السنة 1 / 215 ) ، والربيع بن حبيب في ( المسند 2 / 63 ) .