ابن عربي
104
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
يعطيه الحسّ من المغاليط ليس على الحقيقة نسبة الغلط إلى الحسّ وإنما الغلط للحاكم وهو أمر آخر وراء الحسّ . [ معارف العارف ] بأبي الغصون المائلات عواطفا * والعاطفات على الخدود سوالفا المرسلات من الشّعور غدائرا * الليّنات معاقدا ومعاطفا قوله : بأبي إشارة إلى العقل الأول يفدي به النعوت التي تحمل المعارف الإلهية للعارفين بطريق العطف الإلهي للعطف المقدس كما قال تعالى : قُطُوفُها دانِيَةٌ ( 23 ) [ الحاقة : 23 ] ، وقوله : العاطفات على الخدود صفة وجهية ، سوالفا رتبة إلهية لها في القلوب لدغ وحرقة توجب اصطلام العبد على نفسه هيمانا وعشقا ، وأقام هذه الصفات في الكناية عنها مقام المخدرات المقصورات فأخذ يستعير لها مما هو حقيقة لمن كنّى بهن عن ذلك فقال أيضا : المرسلات اسم فاعل والغدائر : اسم مفعول هي المرسلات من الشعور كنّى به عن العلوم الخفية والأسرار المكتمنة التي لا يستدل عليها إلا بضرب من التلويحات البعيدة لنزاهتها وجعلها غدائر على تقاسيم هذه المعارف على مراتبها إذ ليست على مرتبة واحدة ، وقوله : اللّينات معاقدا ومعاطفا . يقول : إنها وإن كانت صعبة المرام من حيث نزاهتها إذا رمناها نحن من حيث نحن فهي سهلة التناول لكرمها وعطفها ونزولها إلينا جودا ورحمة كما قال تعالى : آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] ، فلم يذكر له تعمل في تحصيل شيء من ذلك وجعل الكل منه امتنانا وفضلا . والمعاقد المذكورة هنا تداخل صفات الخلق وصفات الحق وانعقاد الصفتين به كما وردت الأخبار في ذلك ولكنها عند هؤلاء المعتنى بهم الذين كشف اللّه عن بصائرهم غطاء العمى وسهل عليهم معرفة ذلك بالكشف الإلهي فلأن ما قوي من ذلك عندهم عرفوه . السّاحبات من الدّلال دلادلا * اللّابسات من الجمال مطارفا الباخلات بحسنهنّ صيانة * الواهبات متالدا ومطارفا لما أقيمت هذه المعارف للعارف من حضرة المثال كما أقيم المعلم في صورة اللبن نعتها بما تنعت به تلك الصورة المتجلي فيها فقال : إنها تجر أذيالها تيها ونخوة وعجبا لعلو منصبها ومكانتها ، والمطارف : الأكسية المخططة ، فقال : إنها ليست ضروبا متنوعة من الزينة والجمال وذلك لتنوعات وجوهها ومتعلقاتها وقوله : الباخلات بحسنهنّ صيانة الإشارة بذلك إلى الخبر « لا تعطو الحكمة غير أهلها فتظلموها » « 1 » . فهي لا تستحق أن تكون عند من لا يعرف قدرها لأنها علوم مشاهدة لا علوم نظر واستدلال والمشاهدة لا تعطى لكل أحد . وقوله : الواهبات متالدا ومطارفا ، وذلك لما عز شهودها على أكثر
--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 4 / 76 ) .