نجم الدين الكبرى
53
فوائح الجمال وفواتح الجلال
وليس في العشق مجوسية ولا كفر ، ولا شراسة ولا بلاهة ، وصفة العشاق كمال الحيرة . . والخضوع صفة المتيّمين : يجعل حمل العشق الطفل شيخا * ويجعل العشق الباشق « 1 » صياد البعوضة والجنة مأوى الزاهدين ، والحضرة مثوى العاشقين ! ليس في العشق فجاجة ، وليس في طريقه عجز ولا ضعف . وكل ما قلناه ، ليس من صفة العشق والعاشق « 2 » . . ونهاية العشق بداية المعرفة . . والعشق في المعرفة مبنىّ على الكمال ؛ وإذا اتحد العاشق بالمعشوق ، بلغ مقام التوحيد . وإذا تحيّر في المعرفة ، فقد أحرز مقام المعرفة . . ونهاية العشق إلى هذين المقامين ؛ فإذا صار عارفا ، تبدو صفات الحق من صفاته . ذاك الذي تكلّم بالشطحيات ، إنما أراد أن يقول الحديث السبحاني « ما في الجبة » « 3 » وسر « أنا الحق » « 4 » وإذا لم تعرف ذلك ، فاستمع إلى قول « أسد مرج التوحيد » و « فارس ميدان التجريد » : أبى بكر الشبلي رحمة اللّه عليه ، فإنه وجد رمز ذلك الحديث ذات يوم في مجلس الموحدين ، ولما غلبه سكر الوجد قال : تباركت خطراتى في تعالائى * فلا إله إذا فكرت آلائي ! وحيث إنهم بلغوا ذلك العالم ؛ صار قلبهم ربانيّا ، وقولهم أزليّا وأبديّا . . كما قال أبو سعيد الحزاز ، رحمة اللّه عليه : للعارفين خزائن أودعوها علوما غريبة ، وأنباء عجيبة ، يتكلمون فيها بلسان الأبدية ، ويخبرون عنها بعبارات الأزلية « 5 » . * * *
--> ( 1 ) الباشق : نوع من الصقور . ( 2 ) يشير الشيخ هنا إلى أن حقائق العشق تعلو على اللغة ، ولا تستطيع الألفاظ أن تخبر عن حقيقتها . . فهي فقط تقرب الأمر للأذهان . ( 3 ) عبارة الحلاج : ما في الجبة إلا اللّه . ( 4 ) عبارة الحلاج : أنا الحق . ( 5 ) روزبهان البقلى : عبهر العاشقين ( نقلا عن تاريخ التصوف لقاسم غنى ص 579 وما بعدها ) وقد طبع هذا الكتاب في طهران سنة 1958 بعناية هنرى كوربان ومحمد معين .