روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
21
تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر )
السنة الحسنة ، فلم أر أشد في تقويتها من أني أسندها إلى اللّه تعالى كما هي في نفس الأمر خلق اللّه تعالى أجراها اللّه على لساني ، هذا كله يحدث به نفسه لا يقول ذلك لأحد ، فإذا كان مع الناس يريهم إن ذلك جاءه من عند اللّه كما يجيء لأولياء اللّه على تلك الطريق فإذا أخطر له الملك قول اللّه تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [ الأنعام : 21 ] . يتأول ذلك مع نفسه ويقول : ما أنا مخاطب بهذه الآية ، وإنما خوطب بها أهل الدعوى الذين ينسبون الفعل إلى أنفسهم ، فإنه قال افترى ، فنسب فعل الافتراء إلى هذا القائل ، وأنا أقول : إن الأفعال كلها للّه تعالى لا إليّ فهو الذي قال على لساني ألا ترى النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم قال في الصلاة : « إن اللّه قال على لسان عبده سمع اللّه لمن حمده » فكذلك هذا ثم قال أو قال أوحى إليّ فأضاف القول إليه وكذلك قوله : ( إليّ ) ومن أنا حتى أقول إلي إذ اللّه هو المتكلم وهو السميع ، ثم قال : سأنزل مثل ما أنزل اللّه ، وما أقول أنا ذلك بل الإنزال كله من اللّه فإذا تفقه في نفسه في هذا كله ( افترى على اللّه كذبا وزين له سوء عمله فرآه حسنا ) فهذا أصل صحيح لهاتين الطائفتين قد ألقاه الشيطان إليهما وتركه عندهما وبقي يتفقه في ذلك فقها نفسيا ، فإن لم يكن الإنسان على بصيرة وتمييز من خواطره حتى يفرق بين إلقاء الشيطان وإن كان خيرا وبين إلقاء الملك والنفس ويميز بينهما ميزا صحيحا وإلا فلا يفعل ، فإنه لا يفلح أبدا ، فإن الشيطان لا يأتي إلى كل طائفة إلا بما هو الغالب عليها وليس غرضه من الصالحين إلا أن يجهلوه في الأخذ عنه فإذا جهلوه ونسبوا ذلك إلى اللّه ولم يعرفوا على أي طريق وصل إليهم كأنه قنع منهم بهذا القدر من الجهل وعرف أنهم تحت سلطانه ، فلا يزال يستدرجه