روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
9
المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )
[ المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ] [ كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف ] فأقول ، وباللّه تعالى أستعين ، لما طلع جلّ جلاله من مشرق القدم وتجلى بعلمه للعدم ، فلم يرشيئا غير نفسه . فتعجّب بجماله ، وتقاصى صفاته من صفاته ، كوّن أحبابه حتّى استمتعوا بوصاله وفرحوا ببقائه ، فأراد خلق أرواح أنبيائه وأوليائه كما قال - عزّ اسمه - « كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف » « 1 » فغرف من بحر الكاف والنون غرفة ، فصبّ في قدر القدرة واستوقد تحته نار المحبة ، فتلهبت وألقت زبد الحدوثية فصار صافيّا يضيء بنفسه . فأسرجه من نور نوره كما قال - عزّ اسمه - « وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ » [ النور : 35 ] . فجعل قرار ذلك الضياء في أنوار الأزلية وصفاء السرمدية . [ خلق اللّه تعالى آدم على صورته ] فربّ بربوبيته ومهّد لعبوديته ، فرمى بين فضاء عظمته ، ومطر عليه من بحر كبريائه ، فصيّره معجونات من أفانين كرامته . ثمّ خمّر بعد ذلك وقت صباح سنائه . ثمّ خلقه بخلقه ، وأنشأه بحسنه كما قال - صلوات الرحمن عليه - « خلق اللّه تعالى آدم على صورته » « 2 » ثمّ نفخ فيه من روحه فقام بإذنه ، ونزّه اللّه بتنزيهه فقال « ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ » [ المؤمنون : 14 ] فطهره في عين القدس ، وألبسه حلل الأنس ، وزينه بحلية الولاية ، وكحله بكحل الصفاء ، وتوّجه بتاج النهاية ، وأركبه على نجيب الهداية ، فأسرى به من بدو الحدثان إلى عين العيان . فأدخله في حجاب قرب القرب ، وألطفه بلطائف الحبّ ، وأراه نفسه بنفسه ، واستأصله من أصله ، ثمّ أبقاه بعد ذلك الفناء ، وكلّمه بعزيز خطابه فقال : « من أنا » فقال : « أنت كما أثنيت على نفسك » ثمّ ذهب به من مقام المشاهدة إلى وطنات المكاشفة ، فأبصره صفاته في الملابسة حتى تحقق في المعرفة ، واستحكم في المحبّة . ثمّ أخذه بيد الشفقة وأجلسه على فرش الزلفة وسقاه من شراب الألفة بكأس المنّة . فأسكره بحقيقة الجمال ، وغيّبه في حسن الوصال ، فهاجت عليه صباء من بطنان البقاء ، وسلبته من زوال الفناء ، فوجد نفسه بين الذات والصفات فخرج من ضيق الرسومات . [ كشف الله على الانسان حقيقة الحقيقة ] ثمّ مضى من الدنو إلى السّموّ فكشف عليه حقيقة الحقيقة فأوحى اللّه إليه
--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2016 ) [ 2 / 173 ] . ( 2 ) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الاستئذان ، حديث رقم ( 5873 ) [ 5 / 2299 ] ورواه مسلم في صحيحه ، في بابين أحدهما : باب النهي عن ضرب الوجه ، حديث رقم ( 2612 ) [ 4 / 2017 ] ورواه غيرهما .