روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
83
المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )
ثمّ كاشفتهم بحجاب العزّة . فقاموا بإزائه حيارى ، دهشين ، فناديتهم ، ولا طفتهم ، وألبستهم من أنوار العزّ . فقلت : « يا عبادي » ، فأجابوني : « لبيك يا مولانا وسيّدنا » فقلت لهم : « عرضى عليكم الدنيا ، فذهب إليها أقوام ولم تذهبوا ، وعرضت عليكم الجنّة ، فذهب إليها أقوام ولم تذهبوا . وعرضت عليكم النار ، فهرب منها أقوام ولم تذهبوا . وبلوتكم بالاختيار ، فتقطع أقوام ولم تنقطعوا . وكاشفتكم ببلاء المحبّة ، فتفرق أقوام ولم تبرحوا . وكاشفتكم بحجاب القرب ، فتاه أقوام وسكنتكم . وكاشفتكم بحجاب الهيبة ، فجاز أقوام ووقفتم . وكاشفتكم بحجاب العزّة . فقمتم بإزائه متحيّرين ، دهشين . فاثبتكم . فماذا تريدون ، وماذا تطلبون ؟ » . فقالوا : « ما نريد سواك وما نطلب غيرك ، فأنت مرادنا » . قلت : « يا عبادي لقد تعرضتم للبلاء المتلف الذي أتلف قبلكم عالما بعد عالم ، وما لا يحصيه غيري ، قبل أبيكم آدم في أبد الآباد ، وآزال الأزليّة ، وأمد الديمومية ، وترادف عليهم البلاء ، فما بلغوا إلا العلماء . وإنّ بيني وبينكم بلاء من بلائي ، لا يطيقه أحد . وهو بلاء متكائف لا يحمله ، الصفاء الصلد ، ولا يقوم له الأشخاص » . قالوا : « يا سيّدنا ومولانا ، لا بدّ منك » . قال : « افتحملون ما وصفت لكم » . قالوا : « ألست الذي تلقي علينا البلاء » . قلت : « نعم » . قالوا : « رضينا بذلك » . فقلت : « الآن صدقتم في صحة طلبكم ، وقد استخلصتكم ، وجعلتكم أوعية علمي وأماكن سرّي ، فأنتم ناطقون منّي ، الداعون إليّ ، وأنا لكم وأنتم لي ، أناجيكم وتناجوني . وأنتم أهل المكاشفات ، وأهل المؤانسات ، والمتحكمون في المملكة ، وأهل الخصوص والصفوة . فبلّغ عنّي ، يا سري ، خلقي إنّي أنا اللطيف الخبير . فافهم عنّي وبلغ ما سمعت منّي . وكن بعبادي غفورا رحيما » . قال : « ثمّ ردّني ، فرجعت إليكم ، فافهم يا أبا القاسم ما ذكرت لك » - قال الجنيد - قدس اللّه سرّه - : « ما ذكرت هذه الحكاية حتّى توفي الشيخ - رضي اللّه عنه - فإن يكفيها زيادة أو نقصان فأنا أستغفر اللّه من ذلك » . * إنّي أوردت هذه المكاشفة العزيزة لينظر الناظر فيها ، وينعم نظره باللطف ولبّ الحكمة ، ويعرف حقائق الأمور بها ، ويتفكر فيما ذكرنا من حجب طرق المعارف والكواشف ، ويفقه إشاراتنا إلى الإغانة في مقام المحبّة والوصلة لأنّ اللّه سبحانه علمنا بذلك أن في قلوب أهل الغيوب استتارا وتجليا . ولا يخلو قلوب العارفين منها حتّى وصلوا إلى مرادهم من كشف عيان العيان في مشاهدة الرحمن . فذلك الحجاب بلاء هذه الطائفة . وهو بلاء الحجاب . ألا ترى كيف امتحنهم فيما