روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

60

المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )

وما اجترأ على الحق في مقام انبساطه كالكليم - عليه السلام - حيث غلب عليه أمر الانبساط فقال : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا [ الأعراف : 155 ] بل وضع - عليه السلام - ذلك على جانب الحدث ، وإن كان الحدث زال في القدم ، فافهم ما ذكرت لك فإنّه من مرسومات مسلك أهل التوحيد وإشارة أهل التفريد . * وأبيّن لخواص العارفين أنّ غين العارف علمه بوجود نفسه في مشاهدة الحق ، فلما علم بعد أن شاهد اللّه - تعالى وتقدّس - بقية وجوده ، فيكون وجوده غينه وحجابه ، لأن من شرط التوحيد أن ينسى الموحّد وجوده في مشاهدة الأحدية ، فلما كان - عليه السلام - ذكر نفسه وأمّته في خطاب الأزل ليلة المعراج ، حين قال الحق تعالى : « السلام عليك أيّها النبي ورحمة اللّه وبركاته » « 1 » . قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين » « 1 » خاطبه سرّه بالغيرة ، وطالبه بالفناء عن نفسه وعن أمّته . فاستدرك - عليه السلام - ما فاته فقال : « إنّه ليغان على قلبي وإني لاستغفر اللّه تعالى في كلّ يوم سبعين مرّة » « 2 » . * وكان - صلى اللّه عليه وسلم - لما وصل إلى الحق ورآه بجميع العيون ، غاب في أنوار مشاهدة الحق - جلّ وعلا - حتى تحيّر ولم يدر رآه أم لم يره ، وكان رآه غاية الرؤية بجميع العيون ، لكن من كمال رؤيته كأنه لم يره . فإذا كان كذلك ظنّ أنه غاب عنه فقال : « إنه ليغان على قلبي » فنبّهه الحق فقال : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ البقرة : 147 ] فلمّا تنبّه عن الغيبة ، ورأى ما رأى ، استغفر سبعين مرّة من ذلك . ومن ههنا قال النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - : « أنا أولى بالشك من إبراهيم » « 3 » ، يعني الخليل - عليه السلام - رأى عالم الملكوت بقوله : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأنعام : 75 ] وأنا غائب في عيان العيان ، حتى توهّم سرّي أني ما أراه وإنّي أراه ، فأنا بمعارضة السرّ في مقام شهود العين أولى من إبراهيم

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في أبواب عدة منها : باب التشهد في الآخرة ، حديث رقم ( 797 ) [ 1 / 286 ] . ورواه مسلم في صحيحه في أبواب عدة منها : باب التشهد في الصلاة ، حديث رقم ( 402 ) [ 1 / 301 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 3 ) أورده الجزري في النهاية في غريب الأثر ، باب الشين مع الكاف ، [ 2 / 495 ] وابن الجوزي في غريب الحديث ، باب الشين مع الكاف ، [ 1 / 555 ] .