روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

61

المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )

الذي كان يشاهد الشواهد . وفيما ذكرنا من هذه الحالة الشريفة . أنشد الشاعر بقوله : شعر : كبر العيان عليّ حتّى إنّه * صار اليقين من العيان توهّما « 1 » وكان - صلى اللّه عليه وسلم - إذا سار سيره ما وراء الحدثان ، فأمعن النظر ، فلم ير إلا غيبا في غيب وغينا في غين واستتارا في استتار ، فتحير في الفقدان ، وصبر ، واستقام ، وظهر بالبديهة له جمال سبحات الحقّ . فهشّ ، وبشّ ، شكى إليه مما جرى عليه فقال : « إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله » من لبثي في الاستتار والغيبة « في اليوم سبعين مرّة » وإذا ركب على أسراره أنوار العظمة . وثقل على قلبه أعباء سطوات العظمة . واضمحل سرّه في برح « 2 » نور التوحيد ، ووقع روحه في بحر القبض بعد البسط ، فلما أسر أسراره بأسر تجلي القدم ، يكون منقبضا حتى لا يطيق فؤاده أن يطير في هواء الوصال وأنوار الجمال حيث تستريح أسرار الواصلين فيه بنور الأنس ولطائف القدس وقال : « إنه ليغان على قلبي » فلمّا انفتحت أقفال القبض عن روازن « 3 » قلبه ، ونظر إلى هلال الجلال والجمال ، استغفر سبعين مرة من لبثه في قبضة العزّة . وذلك دأب العارفين إغانتهم بين القبض والبسط والاستتار والتجلي . وافهم ما تكلفت بهذه الكلمات التي ذكرتها في مقامات سيد العارفين وسيد العالمين - صلوات اللّه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين - وحاله أجلّ وأعظم من أن يتكلم فيه مثلي . * وإنّ الأنبياء والأولياء والملائكة استغرقوا في أوائل أحواله . ولم يستشرفوا على شيء ممّا كان فيه من أسراره الغريبة وأنبائه العجيبة ومكاشفاته العظيمة مع جلالتهم . روي أن أبا بكر الصديق - رضي اللّه تعالى عنه - قال : « ليتني شهدت ما استغفر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم » فمتى يشرف أحد عليه وأخصّ الخلق به ، يتمنى أن يشرف على ذلك الحال وتلك الإغانة . وذلك حيث علم أن ذلك حال يختصّ به دون غيره .

--> ( 1 ) هذا البيت هو للشاعر العباسي المتنبي ، أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي ، أبو الطيب المتوفي سنة 354 هجرية والبيت من البحر الكامل وتفعيلته : متفاعلن متفاعلن متفاعلن ( الموسوعة الشعرية ، المجمع الثقافي ، أبو ظبي ) . ( 2 ) البرح : الشدة والعظم وما أشبههما . ( 3 ) الرّوزن والرّوزنة : الكوّة ، النافذة ، الخرق في أعلى السقف .