روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
96
مشرب الأرواح
وافهم أن الوقت وقت العارف لا وقت المعروف لأنه منزّه عن الخفاء والبداء والزمان والمكان يكشف عن وجهه الكريم رداء العظمة والكبرياء لعيون العارف كما يشاء كيف يشاء ليس هنالك مساء ولا صباح ، قال صلى اللّه عليه وسلّم : « ليس عند اللّه مساء ولا صباح » ، وهذا نبذة من أحكام التوحيد لئلا يغلط من لم يبلغ مقام رؤية التنزيه ، وإذا تتابع عليه أنوار الحقائق صار وقته سرمدا وبقي في خالص الذكر وأطعم ذوق الحال ولا يفتتر عن صفاء الوقت أبدا وإن ذهب حدة السكر ، كما قال الشبلي رحمة اللّه عليه في بعض أوقاته لأصحابه : أنتم أوقاتكم مقطوعة ووقتي ليس له طرفان ، ثم قال : وقتي سرمد ويجري بلا شاطىء ، يعني بذلك أن الحال الذي خصني اللّه به من صفاء التعظيم وخالص الذكر له ولهب فؤادي من شوقي وانقطاعي إليه لا نهاية له ولا انقطاع والشيء إذا لم يكن له نهاية ولا غاية فهو سرمد ، وقال اللّه تعالى : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي [ الكهف : 109 ] الآية ، لم يجعل لها غاية لأن الموصوف بها ليس له نهاية ، وقال بعضهم : من عرف اللّه أحبه ومن أحبه غرق في بحر الهم ، وقال العارف رضي اللّه عنه : الوقت بقاء كشف المشاهدة في القلب بنعت المواجيد . الفصل الثاني : في الوجد الوجد من مقام المحبة وما بدا في غير مقام المحبة فذلك صفاء ورقة ، وحكم الوجد أن يكون الواجد غائبا عن الخلق والنفس حاضرا في مشاهدة القرب لا يجري عليه خطرات النفوس ، فإذا بدا أنوار الغيب له ويرى عرائس الملكوت وصنوف حقائق الآيات وغرائب الصفات ولمعات الذات صار واجدا له علامات على حسب ما يرى من المغيبات ، فلكل نظر له علامة في ظاهر صورة مثل البكاء والضحك والحمرة والصفرة والاقشعرار والاضطراب والتصفيق والرقص والتخريق والزعقة والشهقة والسقطة وأمثالها من سجية أهل المواجيد والكشف . ألا ترى كيف وصف اللّه سبحانه المصطفين الأخيار من الأنبياء والأولياء . وصف إبراهيم خليله عليه السلام بالتأوّه بقوله : إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ [ التّوبة : 114 ] ، ووصف موسى عليه السلام بالصعقة في وجد التجلي حيث قال : وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً [ الأعراف : 143 ] وبين مواجيد الجمهور في أنها شاملة على جميع الأوصاف في الوجد حيث قال : إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا [ مريم : 58 ] ، ثم وصف أولياءه في زيادة الإيمان عند استماع الذكر بقوله : الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [ الأنفال : 2 ] وقال : تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى