روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
78
مشرب الأرواح
القلب ، فينبغي للعارف الصادق أن يعرف تلك الجنود ومنشأها ومبدءها وطرقها وسلاحها وحيلها ومخائيلها حتى يقدر دفعهم عن حومة مزارع الصفاء ومشارب معرفة البقاء ، قال اللّه تعالى : يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [ الأعراف : 27 ] ، وقال : وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [ البقرة : 168 ] ، فإذا عرفهم بالحذر منهم أن يكون في جميع الأنفاس مراقبا لهجوم الوساوس ليدفعها بصفاء الذكر وحقائق الفكر وحقيقة الاستعاذة باللّه تعالى من شرهم ، قال اللّه تعالى : فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [ النّحل : 98 ] ، وإذا عرف العارف عجزه عن المقاومة بإزاء قهر الجبروت وعلم جهله على العلم بمكر القدم فقد حصل له بذلك علم فإن من العلم أن يعلم الإنسان أنه لا يعلم وعلمه بجهله شطر صالح من العلم وحقيقة المعرفة وقوع العجز في المعرفة بالمعروف ، كما قال الصديق رضي اللّه عنه : العجز عن درك الإدراك إدراك ، وأصل الحذر الحذر من مسبب سبب ما يحذر الإنسان عنه وهو نفس اللّه سبحانه وتعالى حيث حذّر عباده عنه بقوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [ آل عمران : 28 ] ، والحذر كل الحذر هناك ولا يحصل الحذر من اللّه إلا باللّه وذلك يكون بمعرفة اللّه سبحانه ، وحقيقة الحذر منه أن يكون العبد خاشعا متلاشيا بين يدي جبروته في جميع اللحظات حتى يأخذ يده من بحر قهره ويأوي إليه منه ، قال اللّه تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ [ الحجّ : 78 ] ، وقال عليه السلام : « من اعتصم باللّه نجا » « 1 » أي نجا من كلّ هلاك ، وقال العارف رضي اللّه عنه : الحذر إصغاء سمع القلب إلى نحو صواعق القهر . الفصل الخامس والعشرون : في الآلاء نصب اللّه سبحانه آيات الكون وجعلها مرآة للعارفين وتجلى منها لقلوبهم بأنوار أفعاله وصفاته وينثر من غيباتها نفحات مسك المشاهدات على الأرواح القدسية ليغير بها لبابها إلى عالم أنسه وقدسه ويريها شواهد مملكته الخاصة من عالم الغيب وغيب الغيب ويعطيها من وسائل المشاهدة كشف القربة ، وهذا يكون في أول بديهة وقوع المحبة الإلهية في صميم القلوب من الغيوب لترتقي في مرقاتها إلى مصاعد سرادق المحبوب الأزلي فمن وقف في مدرجة من مدارجها فقد احتجب بمكر اللّه عن اللّه ،
--> ( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .