روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
29
مشرب الأرواح
تعهدها وحسن القيام بها وسقاها زلال الصفاء ، وحفظها من فجأة الغاشية والعوارض المهلكة لينبت نباتها بأنوار تجلي شمس العزة وظلال قمر المشاهدة وتثمر أغصانه إلى هواء السرمدية وتثبت عروقه في أرض القدسية ، قال تعالى : أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ [ إبراهيم : 24 ] ، وقال عليه السلام : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » « 1 » ، وقال العارف : مجاهدة العارف تقديس الهمة العلية عن الرجوع إلى دناءة الطبيعة . الفصل الرابع : في مقام الورع ثم إذ تمت المجاهدة بقيت على المريد رسوم الورع ، وحقيقة ذلك كمال تربية الخاطر بعد زوال الشبه التي تتولد منها عوارض النفسانية عن حومة القلب ، ويكون ذلك في ترك حظوظ البشرية الحاصلة من غير طريق الاقتداء ، وتصفية السر عنها فيما يقوم به السالك في أمر المعاش ، فإذا كمل في دفع النفس عما نالت إليه من لذة الطبيعة وتجرد سره في الورع عن الالتفات إلى غير الحق تبرز له عرائس أسرار الربوبية من خدر الغيب في حجال الوصلة ، وتفتح لروحه خزانة الأنوار من أحكام النبوية وينفذ قلبه من أقطار السماوات والأرض ، واستدار له الزمان كهيئة يوم لا يوم ولا زمان ولامكان ، فحينئذ تطلع له شمس العناية ويكشف له قمر الكفاية ويرى الحق بالحق ويحسد أمسه على غده حيث توجه وجه صرف العيان وتولى عن الزمان والمكان ، ويرد إلى مناهل العرفان التي مشاربها بحار قدس مشاهدة الرحمن ، ويشرب ماء الحياة ويخرق بعد ذلك حجب الامتحان ويطير في هواء الآزال من القدم إلى الآباد ، فلا يزال يطير في طور غيب الغيب فوق جميع الأطوار ، وتشرق له شموس الأزلية متى يشاء بعد بلوغ التمكين ، ويتلاشى في شعاعها كما تحترق الفراش بنور الشمع ، ولا يبقى له طيران إذا وصل بالحق إلى الحق ، ولا وصل ولا فصل ، فإنه إذا وصل صار باقيا بعد الاتصاف بالحق ، وإذا انفصل صار فانيا في الحق فانسلخ عن الفصل والوصل ، ويكون العاشق والمعشوق واحد من جميع الوجوه ، وهذا وصف من حاله في المكاشفة جاوز عن حد العلوم والعقول ، أوله تزكية الأسرار بمخاطبة
--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف ، حديث رقم ( 1362 ) [ 1 / 511 ] والمناوي في الفتح السماوي [ 2 / 514 ] وقال المناوي : قال السيوطي : لا أعرفه مرفوعا وأقول هذا عجيب منه مع سعة نظره فقد أخرجه الديلمي في مسند الفردوس والخطيب البغدادي في تاريخه من حديث جابر مرفوعا بلفظ « قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس وهواها » .