روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
169
مشرب الأرواح
الفصل الثالث : في مقام السر إذا شاهد الحق تقدس الخاطر والتجريد عن الأكوان بنعت التمكين في المعرفة والاستقامة في العبودية وإدراك الربوبية ، فيصير معدن أسرار الأسماء والصفات والنعوت والذات ، فيحدثه الحق سبحانه بما كان في نفسه من العلوم الأزلية والأنباء القديمة ، ويكشف له خفايا المقدورات الغيبية ، فيكون عين سره مكحولة بنور سر الحق ، فينظر بسر الحق إلى الحق ، ومن الحق إلى سر الحق ، فتحدث سر الحق مع الحق بلسان الحق ، فيبلغ بالسر إلى سر السر الذي أخبر سبحانه من حال حبيبه صلى اللّه عليه وسلّم حيث ناجاه بلسان ظاهر السر وباطنه بقوله : وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ( 7 ) [ طه : 7 ] فأخفى سر السر ، ثم وصف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم نقباء أهل الحقيقة وبدلاء المعرفة ، فقال : « هم معدن الأسرار » ، قال بعض المشايخ : السر يحس ما لا يحس به هاجس النفس ، وعن يوسف بن الحسين أنه قال : قلوب الرجال قبور الأسرار ، وقال : لو اطلع زري على سري قلعته ، ويقال : سر من السر السر وهو حق لا يظهر إلا بحق ما ظهر بخلق فليس بسر ، وحكى عن الحسين بن منصور أنه قال : سرنا بكر لا يفتضه وهم واهم ، وقال العارف قدّس اللّه روحه : إن للّه في الأفعال أسرار وهي مكشوفة للحكماء ، وتلك الأسرار هي لطائف الحكمة الأزلية في انتظام صور الكون وله أسرار الصفات وهي مكشوفة لعلماء المعرفة وهي معاني الأسماء التي تحتها علوم قدر القدم وله أسرار في الذات وهي مكشوفة لسادات التوحيد وتلك نور الحقائق المبرز بالحق لأهل الحق . الفصل الرابع : في مقام الأنس إذا ذاق طعم المحبة وشاهد مشاهدة الحق أنس به واستراح من كل أليف ومحبوب وفرح ببقائه واطمأن بلطف صفته وبركة فعله وتلطف في أمر العبودية ورقّ فؤاده بجمال اللّه تعالى لا يحتمل بعد ذلك أثقال الامتحان ويكون سره رحمانيا وروحه ملكوتية وقلبه ، وروحانية وصورته جنانية ، يستأنس بكل المستحسنات ويستوحش من كل المستقبحات ، قال الواسطي : لا يصل إلى محل الأنس من لم يستوحش من الأكوان كلها ، قال العارف قدّس اللّه روحه : الأنس باللّه ذوّب الفؤاد بنعت الراحة في جمال الحق سبحانه .