روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
170
مشرب الأرواح
الفصل الخامس : في مقام الأمر إذا كمل في مقام الأنس وظهر له نور البسط والانبساط صار متصفا بأنوار الربوبية وبلغ مقام الاستقامة في العبودية فيكون قوله قول الحق : إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] ، ألا ترى إلى [ آصف بن ] برخيا عليه السلام بعد استقامته في الأنس كيف كان في الاستسقاء وإذا أمر إلى الجبل كن بأمر اللّه ذهبا فصار ذهبا عند موسى صلوات اللّه عليه ، قال العارف قدّس اللّه روحه : الأمر بسط الحق بنعت التجلي في لسان أهله . الفصل السادس : في مقام الحكم الحكم دلّ العارف حين تحكم بشرط الانبساط عن اللّه سبحانه وذلك عند مراده له وهو تعالى يتحمل منه ما لم يتحمل من غيره ، فإنه في روح الأنس ونور القدس محترق مستغرق ، واللّه تعالى مشفق عليه مغيثه ومعينه في كل أمر وحكم ، ألا ترى كيف احتمل من موسى صلوات اللّه عليه وأتى مراده له حين قال : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ [ يونس : 88 ] ، وعند هيجانه في كسر الألواح والتدمر في قوله : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [ الأعراف : 155 ] ، والحكم من الأمر ومن كان له تحكم في شرط العشق والمحبة لأجل الدلّ وحلاوة الأنس على اللّه سبحانه يحكم على الكون وأهله فيكون مراده منهم : كُنْ فَيَكُونُ [ الأنعام : 73 ] ، وذلك تقليب الأعيان وتعجيز الخلق في الأمر وهذا بيان في خلف أنس بن نصر عم أنس بن مالك رضي اللّه عنه عند النبي صلى اللّه عليه وسلّم حين كسرت عمة أنس بن مالك ثنية جارية من الأنصار فأمر بالقصاص ، فقال أنس بن النضر : لا واللّه لا تكسر ثنيتها يا رسول اللّه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « يا أنس كتاب اللّه القصاص » فرضي القوم وقبلوا الأرش ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « إن من عباد اللّه لو أقسم على اللّه لأبره » « 1 » وقال العارف قدّس اللّه روحه : الحكم جرأة العارف بعد شهوده والتباسه بنور العظمة على اللّه سبحانه وذلك من تأثير جلال عظمته وسلطنة ربوبيته فيه وإلا كيف يوازي الحدث القدم .
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في أبواب عدة منها : باب الصلح مع المشركين . . ، حديث رقم ( 2556 ) [ 2 / 961 ] ومسلم في صحيحه ، باب إثبات القصاص في الأسنان . . ، حديث رقم ( 1675 ) [ 3 / 1302 ] ورواه غيرهما .