روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
156
مشرب الأرواح
يريد أحد أن ينظر إليه وألبسه لباس الشناعة والملامة حتى يفرّ منه جميع الناس وبقي مع الحق بلا علة ولو يلتفت إلى غير اللّه لمحة أحرقه بنيران العبد وعذّبه بعذاب لا يعذّب به أحد من العالمين ، ألا ترى إلى قوله عليه السلام : « أنا غيور والسعد غيور واللّه أغير منا » « 1 » ومن غيرته حرّم الفواحش ، وقرىء بين يدي السري قوله تعالى : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) [ الإسراء : 45 ] ، فقال السري لأصحابه : ترون هذا الحجاب هذا حجاب الغيرة لا أحد أغير من اللّه ، قال النصر ابادي : من نظر إلى شيء غير الحق فلا ينظر إلى الحق فإنه غيور ، قال العارف قدّس اللّه روحه : الغيرة منع الحدث عن إدراك الحق بوصف كنه القدم . الفصل الثاني والعشرون : في الحريّة إذا كان العارف مستوفيا حق العبودية عن نفسه بكمال العلم تخلص من شر نفسه بترك شهواتها ومرادها وصار في المعرفة بحيث أنه في المحبة مستغرقا في جمال الحق مستأنسا به مستوحشا عما سواه فيكون حرّا من رقّ النفوسية عبدا في الحقيقة وإذا بلغ مشاهدة صرف الصفات واتصف بها ثم اتحد بالربوبية وشرب من كأس شراب العشق الخالص عن مزج حظوظ البشرية فيكون حرّا منسلخا عن جلد رسوم الحوادث ، قال الحسين بن منصور : الحرّ هو المتصرّف بلا مانع ، وقال العارف قدّس اللّه روحه : الحرّ الذي يخرج باللّه بنعت التنزيه عن كل رسم مرسوم . الفصل الثالث والعشرون : في المهابة المهابة صفة من يستولي عليه نور الهيبة من مشاهدة العظمة والجلال فهاب عنه كل شيء لأنه محل تجلي الكبرياء بتجلي الحق منه لكل ناظر بالحق في المعرفة ومن رأى الحق بجمال الهيبة يكون كأصحاب الكهف ، قال تعالى في حقهم لسيد البشر عليه السلام : لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً [ الكهف : 18 ] ، أخبر عما كساهم الحق من لباس نور البهاء والعظمة ، وفي الحديث : « من خاف
--> ( 1 ) أورده الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب ، حديث رقم ( 146 ) [ 1 / 52 ] ولفظه : « أنا غيور واللّه أغير مني فمن أجل ذلك حرم الفواحش ولا شخص أغير من اللّه ولا شخص أحب إليه المعاذير من اللّه » .