روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
144
مشرب الأرواح
بلغ نكرات القدم استغرق في قاموس الأزليات والأبديات فيفنى في اللّه باللّه فيقتضي عشقه الفناء وسباحة الفناء عن الفناء قال تعالى : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ الأنبياء : 33 ] ، قال العارف قدّس اللّه روحه : السباحة سيران الأرواح في هواء الآزال والآباد . الفصل الثالث والأربعون : في النكاية إذا ظهر عالم القهريات للعاشق يظهر له من كل قهر نكاية وبلاء امتحانا وغربة في حقائق العشق ووجدان محض المعرفة من نفس النكرة وذلك إرادة اللّه تعالى أنه يعرف نفسه له بوصف المكريات والقهريات ، قال تعالى : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الأعراف : 168 ] ، قال العارف قدّس اللّه روحه : النكاية مكان المعرفة . الفصل الرابع والأربعون : في الحسن افهم أن الحسن صفة من صفات اللّه تعالى وهو قديم لأن ذاته تعالى قديمة وإذا أراد أن يسلب قلب عبده يتجلى لقلبه من أنوار حسنه ويصيب من حسنه في قلبه شراب محبته وعشقه ، فكلما ازداد له رؤية الحسن ازداد له عشقه ، لأن العشق والمحبة مقروبان برؤية الحسن القديم ، وحسن اللّه تعالى من أخصّ وصفه ، قال اللّه تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] ، وصف نفسه في إيجاد المستحسن في ملكه بظهور حسنه فيه ، وهذا النبي الحبيب صلى اللّه عليه وسلّم أخذ فيض المحبة من رؤية اللّه تعالى في لباس الحسن ، قال : « رأيت ربي في أحسن صورة » وهذا المقام لا يظهر على العبد حتى يكون في محل قبول حسن القديم من قدسه وطهارته عن الحوادث ، فإذا كان كذلك صار مرآة حسن اللّه في العالم كآدم ويوسف وموسى وعيسى والمصطفى صلوات اللّه عليهم أجمعين ، لأنهم معادن فطرة الحسن الذي يستفاد من حسن الأزل ، فإن اللّه تعالى أبرز حسنه في العالم منهم ، فصار الحسن ميراثا منهم لأهل الجمال في الدنيا والآخرة ، وهم أوسط حسن اللّه في العالم . ألا ترى قول بعض العارفين في دعائه : يا من حسنه حجاب حسنه ، والحسن من خاصة العشق في العاشق لا يبرز له من اللّه تعالى إلا نهاية سيره إلى اللّه تعالى ، وإذا تم سيره في العشق لا يرى شيئا من المستحسنات إلا يرى حسن اللّه تعالى فيه ، لأجل ذلك يحب العاشق الحسن في الوجود من كل حسن ، روي في الحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان يحبّ الوجه الحسن ،