روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

130

مشرب الأرواح

الفصل الرابع : في مقام الشراب ورود أرواح العاشقة بحار الأزلية واغترافها شراب المداناة من عيون الصفات بلا مزج الالتباس فهو مقام شرب العشق فإذا سكروا من الحق بالحق فهم شاربون سكارى الأزلية من عيون قرب الأبدية ودونهم أهل الواردات الذي وصفهم اللّه سبحانه مع أهل الشرب من عشاق المقربين بقوله : وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ( 27 ) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ( 28 ) [ المطفّفين : 27 ، 28 ] ، قال ذو النون رحمة اللّه عليه : وردت قلوبهم على بحر المحبة فاغترف منه ريّا من الشراب فشربت منه بمحاضرة القلوب فشهد عليهم كل عارض دون بقاء المحبوب ، شعر [ من البسيط ] : شربت كأسا على ذكراك صافية * فما أعلّ فبلّ القلب تعليل فما وجدت بشيء عنك في شغل * لا عشت إن قلت إنّي عنك مشغول قال العارف قدّس اللّه روحه : الشرب شرب شراب صفو الوصال في المشاهدة من بحر الأسرار بقدح الأنوار . الفصل الخامس : في الرّي لا يكون الرّي إلا لمن دام وصاله ودام شربه ويسرمد وقته وقوي حاله ووجده بنعت الصحو بعد السكر لأنه وجد الحق بعد الاتصاف به فهو قائم بالحق من الحق لم يؤثر فيه السكر ولا البلوى فروى بفنائه في القدم من القدم ومن اضمحلاله في الأزل من الأزل لم يبق له أثر ولا طاقة يسكن بالحق وإن كان عطشانا إليه ليس ريّه من ضيق الحوصلة ولا من قلة الشراب ولا من قلة طلب المزيد إنما هو فناء في بقاء وبقاء في فناء تجر أذيال السرمدية في الأزلية وأذيال الأزلية في السرمدية فبدايته ذوق الوجد ووسطه شرب صفاء الوقت ونهايته وصوله في الحق إلى الحق بنعت الفناء والبقاء ، قال الأستاذ رحمة اللّه عليه ، صاحب الشرب سكران وصاحب الريّ صاح ، قال العارف قدّس اللّه روحه : إذا سكن بالمشاهدة وبقي بها عن الفناء فيها فهو مرتوي صاحب حظ وإذا فني بالحق في الحق ولا يبقى للحدث في القدم أثر فلم يكن له ريّ لأن بحار الأزلية ليست بمتناهية وليس لشرب أهل الوصال نهاية ، كما أنشدوا [ من الوافر ] : شربت الحب كأسا بعد كأس * فما نفد الشراب وما رويت وهذا ما جرى بين يحيى بن معاذ وأبي يزيد ، قال يحيى : هاهنا من شرب كأسا فلم يظمأ بعده ، فقال أبو يزيد : عجبت من ضعف حالك ، هاهنا من تحسّى بحار الكون وهو فاغر يستزيد .