روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
131
مشرب الأرواح
الفصل السادس : في الالتباس هذا المقام من أوفر الحظ في العشق لأن العاشق في محل الأنس باللّه ، ويطلب الحق من الحق بنعت القدم مع ضعف حاله عن حمل وارد سطوات العظمة ، وأن اللّه تعالى ألطف عليه بما هو يطيق أن يدركه ولا يتكدر عليه صفاء الأنس ، فيريه نفسه في لباس فعله حتى يبقى وجوده مع الحق ، ويأخذ من جماله حظ رؤية الصفات ، ألا ترى كيف منع اللّه تعالى موسى عليه السلام من الرؤية الصرف وصرفه منه إلا بعد الالتباس بقوله حين سأل ما سأل فقال : لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [ الأعراف : 143 ] ، وقد بيّن النبي صلى اللّه عليه وسلّم حقائق الالتباس بقوله : « رأيت ربي في أحسن صورة » « 1 » ، وقال ذو النون رحمة اللّه عليه : من استأنس باللّه استأنس بكل شيء مليح وبكل وجه صبيح . قال العارف : الالتباس إظهار نور القدس في محل الأنس . الفصل السابع : في مقام الاستهتار إذا امتلأ العاشق من العشق وعلا العشق على سائر القلب وأفاض إلى جميع عروقه سكره فصار سكرانا مستهترا ينطق لسانه بغير اختياره بذكر محبوبه على السرمدية ويكون كالأبله الواله مشغوفا بطاعته ذائقا طعم وصلته في خدمته وذلك من وجدان سكر المحبة من رؤية جمال الحق الذي يغير طباع المتمكنين من التمكين إلى التلوين ومن العقل إلى الحيرة فإذا كمل في هذا المقام ينفرد بفردانية الحق في سيره من الحدث إلى القدم من غير اللّه بنعت صفاء الذكر في الظاهر وصفاء العشق في الباطن وصفاء المشاهدة في السر وهذا وصف من وصفهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بنعت الانفراد عن الأكوان والحدثان في حلاوة ذكر جمال الرحمن حيث قال : « سيروا سبق المفردون » قيل : من هم ؟ قال : « المستهترون بذكر اللّه يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون خفافا يوم القيامة » « 2 » قال العارف قدّس اللّه روحه : الاستهتار الخروج من الحدثان بمراكب الذكر الممزوج بإدراك المذكور إلى سعة فضاء الفردانية .
--> ( 1 ) رواه الدارمي في سننه ، باب في رؤية الرب تعالى في النوم ، حديث رقم ( 2149 ) [ 2 / 170 ] والطبراني من حديث عبيد اللّه بن أبي رافع عن أبيه ، حديث رقم ( 938 ) [ 1 / 317 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .