محمد بن عبد الملك الديلمي

8

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية

واعلم أنه قال تعالى في السابقين الأولين من المهاجرين ، والأنصار : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ( 8 ) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 9 ) [ الحشر : 8 - 9 ] . ووصف اللّه المهاجرين الأولين ب أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ، ووصف الأنصار ب فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، ووصف الآخرين بالدعاء لمن سبقهم فحصل لهم مرتبة الدعاء وهي مرتبة كاملة ، ورتبة عالية شاملة ، مرتبة الأنبياء ، والمرسلين ، والملائكة المقربين . وروى البخاري بسنده إلى المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر اللّه وهم ظاهرون » « 1 » . قال أبو عبد اللّه : هم أهل العلم . وروى البخاري - رحمه اللّه - أيضا بسنده إلى معاوية رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين ، وإنما أنا قاسم ، ويعطى اللّه ، ولا يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة ، أو حتى يأتي أمر اللّه » « 2 » . فالعلم رحمك اللّه هو الذي كان عليه السلف الصالح المقتفى آثارهم ، والخلف التابع المقتدى بهديهم ، وهم الصحابة أهل السكينة والرضا ، ثم التابعون لهم بإحسان من أهل الزهد والأمر والنهي ، والعالم هو الذي يدعو الناس إلى مثل حاله حتى يكونوا مثله ، فإذا نظروا إليه زهدوا في الدنيا لزهده فيها كما كان ذو النون رضي اللّه عنه يقول : جالس من يكلمك علمه لا من يكلمك لسانه . وقد قال الحسن رضي اللّه عنه قبله : عظ الناس بفعلك ولا تعظهم بقولك . وقال سهل رضي اللّه عنه : العلم يهتف بالعمل ، فإن أجابه وإلا ارتحل . وقد روي معنى ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قيل له : أي جلسائنا خير ؟ فقال : « من ذكركم باللّه تعالى رؤيته ، وزاد في علمكم منطقه ، وذكركم بالآخرة عمله » .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 2984 ) ، ومسلم ( 2920 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 69 ) ، ومسلم ( 1719 ) .