محمد بن عبد الملك الديلمي
9
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية
فالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء هم الورعون في دين اللّه عز وجلّ ، الزاهدون في فضول الدنيا الناطقون بعلم اليقين والقدرة لا علم الرأي والهوى ، والصامتون عن الشبهات والآراء لا يختلف هذا إلى يوم القيامة عند العلماء الشهداء على اللّه تعالى برأي قائل ولا بقول مبطل جاهل . كما روي عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « صلح أول هذه الأمة بالزهد واليقين ويهلك آخرها بالبخل والأمل » . وقال يوسف بن أسباط : كتب إليّ حذيفة المرعشي : ما ظنك بمن قد بقي لا يجد أحدا يذكر اللّه تعالى معه إلا كان آثما وكانت مذاكرته معصية ، وذلك أنه لا يجد أهله ؟ قلت ليوسف : يا أبا محمد وتعرفهم ؟ قال : لا يخفون علينا ، ويقال أن الأبدال إنما انقطعوا في أطراف الأرض واستتروا عن أعين الجمهور ؛ لأنهم لا يطيقون النظر إلى علماء هذا الوقت ولا يصبرون على الاستماع لكلامهم ؛ لأنهم عندهم جهّال باللّه تعالى وهم عند أنفسهم وعند الجاهلين علماء ، فقد صاروا من أهل الجهل ، وأهل الجهل بالجهل على الوصف الذي قاله سهل رضي اللّه عنه : إن من أعظم المعاصي الجهل بالجهل والنظر إلى العامة واستماع كلام أهل الغفلة أيسر عندهم ؛ لأنهم لا يعدمون ذلك حيث كانوا من أطراف الأمصار ؛ لأن العامة لا يموّهون في الدين ولا يغرون المؤمنين ولا يدّعون أنهم علماء لأنهم يتعلمون وبالجهل معترفون ، فهم إلى الرحمة أقرب ومن المقت أبعد . وكان أبو محمد الجريري يقول : قسوة القلب بالجهل بالعلم أشد من القسوة بالمعاصي ؛ لأن الجاهل بالعلم تارك ومدّع والعاصي بالفعل مقرّ بالعلم . واعلم أن العبد إذا باين الناس في كل شيء من أحوالهم انفرد عن جمعهم ولم يألف أحدا منهم وإن باينهم في أكثر أحوالهم اعتزل عن الأكثر منهم ، فإن فارقهم في بعض الأحوال ووافقهم في بعض حاله خالط أهل الخير وفارق أهل الشر . فعليك بآثار السلف الصالح الذين هم على منهج أهل الحق ، لا الذين ضلوا طريق الحق ، كمن ادعوا أن الصوفية ليسوا على منهج السلف ، وهؤلاء واضح جهلهم . فإن قال قائل : فما الدليل ؟ قلنا : أليس أصحاب هذه الأنفاس المذكورة في هذا الكتاب من أئمة السلف وقادتهم