محمد بن عبد الملك الديلمي

15

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية

وأدبه ، ودع عنك تشقيقه للكلام ورده على المتكلمين ، ثم لما وليت سمعته يقول : جعلك اللّه صاحب حديث صوفيا لا جعلك صوفيا صاحب حديث . قال الغزالي : أشار إلى أن من حصّل الحديث والعلم ثم تصوف أفلح ممن تصوف قبل العلم وانتهى . وكان يقول : علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة . قال ابن عربي : يقصد أنه نتيجة عن العمل عليهما ، وهما الشاهدان العدلان . وصحب الجنيد من هذه الطائفة أربع طبقات ، كل طبقة ثلاثين رجلا ، وانتهت إليه الرئاسة . وكان صائم الدهر لا يفطر إلا إذا دخل عليه إخونه فيأكل معهم وهو ساكت ويقول : ليست المساعدة مع الإخوان بأقل من فضل الصوم . وأقام عشرين سنة لا يأكل إلا من الأسبوع إلى الأسبوع ، وورده كل يوم ثلاثمائة ركعة . وكانت الكتبة يحضرون مجلسه لألفاظه ، والفقهاء لتقريره ، والفلاسفة لدقة نظره ومعاينه ، والمتكلمون لتحقيقه ، والصوفية لإشاراته وحقائقه . ودخل عليه إبليس في صورة نقيب وقال : أريد أن أخدمك بلا أجرة فقال له : افعل ، فأقام يخدمه عشر سنين فلم يجد قلبه غافلا عن ربّه لحظة واحدة ، فطلب الانصراف ، وقال له : أنا إبليس ، فقال : عرفتك من أول ما دخلت ، وإنما استخدمتك عقوبة لك ، فإنه لا ثواب لأعمالك في الآخرة ، فقال : ما رأيت قوتك يا جنيد ، فقال له : اذهب يا ملعون ، أتريد أن تدخل علي الإعجاب بنفسي ؟ فخرج خاسئا . وكان إذا طلب أحد من الطريق يقول : اذهب فاخدم الملوك ثم تعال ، فإن بداية طريقنا نهاية مقام بعض الملوك . ومن فوائده وحكمه : لو أقبل على اللّه ألف سنة ثم أعرض لحظة كان ما فاته أكثر مما ناله . وقال : من لم يسمع الحديث ويجالس الفقهاء ويأخذ أدبه عن المتأدبين أفسد من اتبعه . وقال : العرّاف من نطق عن سرك وأنت ساكت . وقال : ما أخذنا التصوف عن القيل والقال ، بل عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوف .