محمد بن عبد الملك الديلمي

101

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية

فصل ثم اعلم أن من أدرك تفسير ألفاظ قوم لا بد أن يحمل على ما أوردها ويفسر على ما اصطلحوا عليها ، وإلّا كان تفسيره مزيدا في الإجمال ، وإرشادا إلى الجهل والضلال ، ولا يهتدي إلى مثل ذلك التفسير إلّا من علم علومهم ، ولسانهم ولا سبيل إلى ذلك مشاهدة ، ومشافهة منهم إلّا تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ [ البقرة : 134 ] فلم يبق طريق إذا ، إلّا أن يعرف حرفتهم ، وصنائعهم ، وما كانوا يتعاملونها فيما بينهم من العدد ، والأدوات ويستعملونها من الآلات ، ويشاركهم في الأعمال ، والاستعمال ، ويقتدى بهم فيما سبقوه فيقف على معاني أقوالهم ، وماهيات أعمالهم بالارتقاء على مقاماتهم ، ومنازلهم ، فيشاهد أحوالهم ، وأفعالهم . وإن هؤلاء المشايخ أعنى أئمة الصوفية كانت آلاتهم القلوب ، وأدواتهم الأرواح ، وعددهم الهم ، وأقوالهم الأسرار ، وأعمالهم المعاريج ، ودأبهم الوقوف بالدّوام بين يدي اللّه تعالى متوجها إليه ، متوكلا عليه ، فارّا عن كل ما لديه سواه ، قالوا : لا إله إلّا اللّه أي : لا شيء إلّا اللّه ، ولا موجود إلّا اللّه ، ولا باق إلّا اللّه ، ولا دائم إلّا اللّه ، ولا إله إلّا اللّه ، كما قال اللّه تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] معناه كل شيء لا شيء إلّا اللّه ، وكل موجود فان إلّا اللّه ، وشددوا في ذلك المضايقة حتى قالوا : « من أحب اللّه لبره فهو مشرك بالبار ، ومن شكر اللّه لنعمه فقد أشرك ، ومن نظر إلى غير اللّه فقد ارتد ، من علم الغير عند معرفة اللّه فهو باللّه جاهل ، ومن ذكر عند ذكر اللّه غير اللّه فهو عابد الوثن » . ومن هنا قالوا : إن الصوفي لا يجد رائحة التوحيد إلّا بالفناء ، وقالوا : لو رأى الموحد توحيده فقد أشرك . والتوحيد عندهم ألّا يذكر شيئا إلّا اللّه تعالى ، ولا يعلم شيء إلّا هو ، ولا