محمد بن المنور الميهني
86
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
وأتحايل على أن ارقاه ، وانظر في ارجاء هذه الصحراء ، لعلى أرى مكانا عامرا ، أو نبع ماء ، أو مأوى للبدو ، فإذا كان ذلك فهو المراد ، وإلا حفرت قبرى فوقها ، واستسلمت للموت . ثم نظرت فرأيت مرتفعا كبيرا ، فرفعت نفسي فوقه ، ونظرت إلى تلك الصحراء ، فرأيت سوادا من بعيد ، وأمعنت النظر فوجدته عشبا . فقوى قلبي ، وقلت لنفسي : حيثما يوجد العشب يكون الماء ، وحيثما يكون الماء يمكن أن يوجد آدمي . وبذلك انبعثت في القوة ، ونزلت وتوجهت إلى ذلك العشب . وعندما بلغت ذلك المكان ( ص 74 ) وجدته أرضا صلبة تمتد خلال الرمال على مسافة مرمى سهم ، بها عين يتدفق منها الماء الصافي ، ويغمر مساحة من الأرض حولها ، حتى نما فيها العشب واخضر . فرفعت رأسي ، وشربت جزءا من ذلك الماء ، وتوضأت ، وصليت ركعتين ، وسجدت شكرا للّه على أنه أحياني من جديد . وقلت لنفسي : ينبغي أن أقيم هنا ولا أرحل عن هذا المكان ، فربما يأتي إليه أحد في طلب الماء ، وإلا فلا أقل من أن أستريح هنا بجوار الماء يوما وليلة . ثم أكلت بعض العشب ، وابتعدت عن تلك العين ، وصعدت فوق الكثبان ، ووضعت رأسي على الرمال كالثور ، وأحطت نفسي بالأشواك لئلا يراني أحد . وجعلت أنظر من خلال الأشواك خشية أن يفترسنى حيوان ، أو يظهر آدمي لا يخشى اللّه فيهلكنى ، وما زلت مختفيا بين الأشواك وانا انظر إلى أطراف الصحراء . ولما حل وقت الظهر ، ظهر سواد من بعيد ، واتجه إلى هذه العين . وحين اقترب كان رجلا . فقلت لنفسي « اللّه أكبر ! ! » لقد فتح باب لخلاصى . ولما صار على مقربة ، وجدته رجلا ، طويلا ، أبيض اللون ، ضخم الجسم ، واسع العينين ، تصل لحيته إلى وسطه ، وقد ارتدى مرقع الصوفية ، وحمل عصا وابريقا في يده ، وطرح سجادة على كتفه ، ووضع قلنسوة الصوفية على رأسه ، وانتعل خفا . وكان