محمد بن المنور الميهني

87

أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد

النور يشع من وجهه . وجاء إلى حافة الماء ، وألقى السجادة على نحو ما يفعل الصوفية ، وسحب أبريق الماء ، وذهب خلف مرتفع واستنجى . وعاد وجلس على حافة العين ، وتوضأ ، وصلى ركعتين ، ورفع يديه ودعا دعاء . وأدى السنة ، ثم أقام الصلاة وأدى الفريضة . ومشط لحيته . ثم نهض وألقى السجادة على كتفه ، وحمل العصا والإبريق ، واتجه إلى الصحراء . وكنت لا أشعر بنفسي ( ص 75 ) طيلة وجوده أمامى ، لشدة هيبته ، وانشغالي بطلعته ، وحسن طاعته . وعندما غاب عن عيني ، وعدت إلى وعيى لمت نفسي كثيرا وقلت ما هذا الذي فعلته ! لقد كنت أتمنى من الدنيا جميعها آدميا ليخلصنى من هذه الصحراء المهلكة ؛ فوجدت رجلا له مثل هذا النور ومع ذلك لم أطلب منه أن يدلني على الطريق . ثم قلت : ليس هناك حل الآن سوى الصبر فربما يعود . وأخذت أنتظر حتى حل وقت صلاة العصر ، فظهر نفس ذلك السواد من بعيد ، فعرفت أنه نفس الشخص ؛ ولما اقترب كان هو فعلا فأدى صلاة العصر في هذه المرة أيضا . وكنت قد صرت أكثر جرأة هذه المرة ، فخرجت من بين الأشواك في بطء ، ونزلت من ذلك المرتفع . وعندما فرغ من الصلاة ، ورفع يديه بالدعاء ، هم بالذهاب . فأمسكت بذيله وقلت له : أيها الشيخ ، اعني بحق اللّه . . . أنا رجل من نيسابور ، وكنت قادما إلى بخارى مع قافلة ، وقد مضى علىّ الآن يومان وأنا ضال ، وقد ذهبت القافلة وبقيت وحدى في هذه الصحراء ، ولست أعرف لي طريقا . فأحنى رأسه ، ثم رفعها بعد لحظة ، وأمسك بيدي ونظرت ، فرأيت أسدا آتيا من تلك الصحراء . وجاء الأسد أمامه ، وحياه ، ووقف . فوضع فمه على أذن الأسد ، وهمس فيها شيئا ، ثم أركبني عليه ، ووضع شعر رقبته في يدي ، وقال لي : احكم قدميك تحت بطنه ،