محمد بن المنور الميهني
85
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
أكد أخرج من المدينة حتى رأيت قافلة كبيرة متجهة إلى بخارى . فاستأجرت أنا أيضا جملا وسرت في صحبتهم . وعندما وصلنا سرخس وأقمنا بها يومين توجهنا إلى مرو كعادة القوافل . فتقدمت القافلة ، وقطعت جزءا من الطريق ، ونمت حتى تصل القافلة . فلما لحقت بي ، نهضت وسرت معهم ، ومكثت أسير على هذا النظام حتى جاء يوم أقبل فيه الليل على غرة ، وكنت منهوكا متعبا وقد غلبني النوم ، فسرت في اتجاه من الطريق وتقدمت مسافة طيبة ونمت . وبقيت نائما حتى جاءت القافلة وارتحلت وأنا لا أزال نائما إلى أن أيقظتنى حرارة الشمس . فصحوت من نومى ، ونهضت ، فلم أر أثرا للقافلة في أي مكان . وكانت الرمال من حولى ، ولم أتبين الطريق . فأسرعت مسافة ، ثم ضللت الطريق ، ووقعت في حيرة . وفكرت في نفسي أنني إذا سرت مسافة في هذا الطريق ، أو ذلك الاتجاه فلن أصل إلى أي مكان . والصواب يقتضى أن اجتهد مع نفسي ، واستحضر قلبي ، حتى يستقر رأيي على اتجاه أسير فيه . فأجمعت أمرى ، واجتهدت ، وتخيرت اتجاها أخذت أسير فيه حتى جاء الليل . وكان الحر شديدا ، فأجهدنى العطش والجوع . ولما اعتدل الجو تمالكت نفسي قليلا ، وقلت : من الأفضل أن أسير ليلا . وفي تلك الليلة سرت حتى مطلع الفجر . وعندما أقبل الصباح نظرت من حولى ، فرأيت الصحراء كلها رمال وأشواك . ولم أر أثرا للعمران في أي مكان ، فتحطمت . وأخذت أسير على هذا النحو من العطش والجوع والعجز ، حتى اشتدت حرارة الشمس وتجاوز العطش مداه ، فسقطت ، واستسلمت للموت . ثم قلت لنفسي : لا ينفع في مثل هذه الحال غير بذل الجهود ، ثم يكون الاستسلام للموت بعد نفاذ جميع هذه الجهود . ولم تبق لي سوى حيلة واحدة ؛ وهي أن أبحث بين هذه الكثيبان الرملية عن كثيب يكون أكثر ارتفاعا ،