محمد بن المنور الميهني
51
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
على لفظه المبارك في أحد المجالس ، فقد سئل قدس اللّه روحه العزيز عن هذه الآية : « ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ » ، فقال شيخنا قدس اللّه روحه العزيز : إن هذه الآية صحيحة عن أحوال الصوفية ، فذلك هو المقام الأخير الذي يظهر بعد كل هذه الجهود والعبادات والأسفار والإقامات والآلام والامتهانات والتحقيرات والمذلات كلها واحدة واحدة ، ويسمح لهم بالعبور إليه . ففي البداية يدلونه على باب التوبة ليتوب ويسترضى خصمه ، ثم يعمل على إذلال النفس ، ويتقبل جميع ألآلام ، ويسعى لراحة الخلق بقدر ما يستطيع . ثم يشتغل بأنواع الطاعات ( ص 37 ) فيقوم الليل ، ويجوع النهار ، ويؤدى الفرائض ، ويزيد كل يوم في جهوده ، ويوجب على نفسه أشياء جديدة . وقد فعلت هذا كله فأوجبت على نفسي في البداية ثمانية عشر شيئا ، وفتحت لنفسي بهذه الأشياء ثمانية عشر ألف عالم ، فداومت على الصوم ، وامتنعت عن اللقمة الحرام ، وواظبت على تلاوة الذكر ، وقمت الليل ، ولم اضطجع على الأرض ، ولم أنم إلا وأنا جالس وكنت أجلس موليا وجهي إلى القبلة ، ولم أتكئ على شئ ، ولم أنظر إلى شاب أمرد نظرة سوء ، ولم أنظر إلى المحرمات ، ولم أستعبد لأحد ، ولم أسأل أحدا شيئا . وكنت قانعا مستسلما لإرادة اللّه . كما كنت أجلس في المسجد دائما ولا أذهب إلى السوق لأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم قال : إن أسوأ الأماكن الأسواق وأفضلها المساجد . وكنت متابعا للرسول صلّى اللّه عليه وسلم في كل ما أفعل ، وكنت أختم القرآن كل يوم وليلة ، وكنت أعمى فيما يبصر وأصم فيما يسمع وأبكم فيما يقال ، وظللت عاما لا أتحدث مع أحد فأسمانى الناس مجنونا ، وأجزت لهم ذلك بحكم هذا الخبر الذي يقول : « لا يكمل إيمان العبد حتى يظن الناس أنه مجنون » .