محمد بن المنور الميهني
52
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
وقمت بعمل كل شئ قرأت أو سمعت أن المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم قام به أو أمر به حتى أنني سمعت أن المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم جرح في قدمه في غزوة أحد فلم يستطع الوقوف عليها فكان يصلى على أطراف أصابعه ، فوقفت بحكم متابعته على أطراف أصابعي وصليت أربعمائة ركعة ، وجعلت حركاتى الظاهرة والباطنة وفقا للسنة بحيث صارت العادة طبيعة . وكل ما سمعت وقرأت أن الملائكة تفعله فعلته وقمت به ( ص 38 ) حتى أنني سمعت وقرأت أن الملائكة تعبد اللّه على رؤوسها ، فوقفت على رأسي فوق الأرض وأمرت أم أبى طاهر الموفقة أن تربط أصبع قدمي بحبل وتربطه في مسمار وتغلق علىّ الباب . ولما فعلت قلت : يا إلهي إنني لا أريد نفسي فنجنى منها . وبدأت أقرأ القرآن ، وعندما بلغت هذه الآية « فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » تدفق الدم من عيني وغبت عن الوعي . وبعد ذلك تبدلت الأمور . وقد مرت بي رياضات من النوع الذي لا تصوره العبارات ، وقد أعانني الحق عليها ووفقني فيها . وكان يخيل إلىّ أنني أقوم بكل هذه الأعمال بنفسي ؛ ولكن ظهر فضل ( ربى ) وأوضح لي أن الأمر لم يكن كذلك ، وأن هذه الأعمال كلها كانت بتوفيق الحق وفضله ، فتبت عن هذا الظن ، وتبينت أن ذلك كله كان محض وهم وغرور . فإذا قلت أنت الآن : إنني لن أسلك هذا الطريق لأنه وهم ، تقول لك : إن امتناعك عن عمل هذا وهم ، فما لم يمر عليك هذا كله لا يظهر لك هذا الوهم ، لأنك إذا لم تتجاوز الشرع لا يظهر هذا الوهم ، والوهم كان موجودا في الدين ، وعدم ممارسته كفر في الشرع ، وفي الممارسة والرؤية ( - عدم الفناء عن النفس ) شرك ، فإذا كنت أنت موجودا وهو موجود فإنه يكون هناك اثنان وهذا شرك . ولذلك يجب أن تفنى نفسك . وكانت لي صومعة كنت مغرما بإفناء نفسي فيها ، فظهر لي نور بدد ظلمة