محمد بن المنور الميهني
49
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
وقد ورد على لسان شيخنا يوما أثناء الحديث قوله : في يوم من الأيام قلت لنفسي إنني أملك العلم والعمل والمراقبة جميعا ، ويلزم الآن الغيبة عنها . وتفكرت فوجدت أن هذا الأمر لا يتحقق إلا في خدمة الدراويش ؛ لأنه « إذا أراد اللّه بعبد خيرا دله على ذل نفسه » . وعلى هذا اشتغلت بخدمتهم ، وكنت أنظف صوامعهم ودورات مياههم ، وآخذ زنبيلا وأقوم بهذه المهمات ، وأخرج به فضلاتهم . ولما واظبت على هذا العمل وأصبح عادة اشتغلت بالسؤال من أجل الدراويش ، لأننى لم أر شيئا أقسى على النفس من هذا وفي البداية كان كل من يراني يعطيني دينارا ، وبمضي الزمن تناقص هذا العطاء حتى بلغ دانقا واحدا . ثم ظل ينقص شيئا فشيئا حتى وصل إلى حبة من الزبيب أو جوزة . وانتهى الأمر إلى الكف عن إعطائى حتى هذا . وذات يوم ( ص 35 ) كانت هناك جماعة من الدراويش ولم يكن هناك فتوح ، فبعت عمامتي التي على رأسي ، ثم بعت نعلى ، ثم بطانة الجبة ، ثم الجبة نفسها . وقد رآني والدي يوما عارى الرأس والجسد فلم يحتمل هذا ، وقال لي : يا ولدى ماذا يقال عن هذه الحال ! ؟ فقلت له : لا تهتم بما يقول أهل ميهنه . وكان شيخنا يكنس المساجد دائما ، ويبذل ماله وجاهه على الدراويش وغيرهم من الخلق حتى ولو كان كسرة خبز . وكان إذا ما أشكل عليه أمر ذهب إلى الشيخ أبى الفضل في سرخس حافى القدمين فيحل المشكل ثم يعود . وقد جاء في رواية صادقة عن الشيخ عبد الصمد ، أحد مريدى الشيخ ، أنه في أكثر الأوقات التي كان الشيخ يذهب فيها إلى سرخس على هذا النحو ، كان يذهب معلقا في الهواء ، فيما بين الأرض والسماء ، دون أن يراه سوى أرباب التصوف : وكان للشيخ أبى الفضل مريد يدعى « أحمد » ، وذات يوم رأى الشيخ آتيا في