محمد بن المنور الميهني

34

أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد

تلك الكوة . فحملني والدي ، ومددت يدي وأنزلت ذلك الرغيف ، وكان رغيفا من الشعير ساخنا شعرت يدي بسخونته ، فأخذ أبو القاسم الرغيف من يدي وبكى وقسعه إلى نصفين وأعطاني نصفا ، وقال لي : كله ، وأكل هو النصف الآخر ، ولم يعط والدي شيئا . فقال له والدي : أيها الشيخ ، ما السبب في أنك لم تعطني نصيبا من هذه البركة ؟ فقال أبو القاسم بشر : يا أبا الخير ، لقد وضعنا هذا الرغيف فوق تلك الكوة منذ ثلاثين عاما . وقد وعدنا بأن من يصير هذا الرغيف ساخنا في يده سوف تزهو به الدنيا ( ص 18 ) ويختم به التصوف . والآن تحققت هذه البشرى وسوف يكون ابنك ذلك الرجل . ثم قال لي أبو القاسم بشر : يا أبا سعيد احفظ هذه الكلمات وقل دائما : « سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك ، سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك » فحفظت هذه الكلمات وجعلت أرددها دائما . قال الشيخ : وخرجنا من عند أبي القاسم ولم أكن أفهم ماذا كان يقول في ذلك اليوم . ثم امتد عمر الشيخ أبى القاسم حتى كبر شيخنا وأفاد منه كثيرا . قال شيخنا : عندما أتممت حفظ القرآن قال لي والدي : يجب أن تذهب غدا إلى المؤدّب ، فأخبرت أستاذي بذلك فقال لي : على بركة اللّه ، ودعا لي ثم قال : اذكر عنى هذا القول : « لان ترد همتك على اللّه طرفة عين خير لك مما طلعت عليه الشمس » فحفظت هذا القول . وقال لي الأستاذ أعفني ! فقلت : أعفيناك . فقال : بارك اللّه تعالى علمك . وفي اليوم التالي أخذني والدي إلى أبي سعيد العيارى ، وكان إماما وأديبا ومفتيا ، ومكثت لديه مدة كنت خلالها أتردد على الشيخ أبى القاسم بشر ياسين وأتعلم منه علوم الإسلام .