محمد بن المنور الميهني

344

أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد

وهذا كله لأن الحق تعالى يقول : « هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ » . أيها المسلمون ، لقد أصبح غريبا ذلك الشخص الذي يشم نفحة منه ، أو الشخص الذي شبع من نفسه . والفيض يأتي الشخص الذي يتعلق باللّه فيصير محتاجا للّه . تلزم الحاجة ، فالحاجة مغناطيس يجذب أسرار الحقيقة . قال الشيخ : قبل أن يخلق اللّه تعالى الأجساد بأربعين ألف سنة ، خلق الأرواح واحتفظ بها في محل القرب ، ثم نثر عليها نورا ، وكان يعرف نصيب كل روح من ذلك النور ، ويهدهدها على قدر ذلك النصيب حتى هدأت وسكنت في ذلك النور وتربت فيه . والأشخاص الذين يأنس أحدهم إلى الآخر في الدنيا ، كانوا يأنسون أحدهم إلى الآخر هناك ، في ذلك القرب . وهم يحبون أحدهم الآخر هنا ، ويعرفون بأحباب اللّه لأنهم يحبون أحدهم الآخر من أجل اللّه . وكل من يطلب اللّه منهم يحمل بذلك الطلب نفحة إلى الآخر ، كما تشام الخيل . ولو أن أحدهم كان بالمغرب والآخر بالمشرق فإنهم يجدون الأنس والتسلي بحديث أحدهم إلى الآخر . وإذا كان أحدهم في القرن الأول والآخر في القرن الخامس فإن ذلك الآخر لا يجد الفائدة والتسلي إلا بكلام الأول . وهؤلاء القوم يتحلون بفضل الحق تعالى ، ولا يتغيرون بشئ من اللّه : لا بالبلاء ولا بالنعماء ولا بالكرامات ولا بالمقامات . وكل من ينزل إلى شيء من هذه المعاني لا يكون إلا كاذبا ، لأن الكرامات والمقامات والدرجات كلها ليست إلهية : هي كلها نصيب العبد ، وكل من نزل إلى هذا صار عبد النصيب .