محمد بن المنور الميهني

23

أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد

ضبط هذه المدة ومراقبتها وهذا نفسه محال ، ومن جملة ما ليس في الامكان القدرة على نقل جميع أقوال وأفعال وحركات وسكنات شخص طيلة مدة عمره . أما ما كان في إمكان هذا الداعي وفي مجال قدرته فقد نفذه وبذل قصارى جهده فيه ، واجتهد بأقصى الإمكان في تصحيح أسانيده ، وحذف ما كان في روايته خلل أو في إسناده شبهة وتحاشي إيراده . وكان ابن عمى الإمام العالم الأجل جمال الدين أبو روح لطف اللّه بن أبي سعيد قد ألف في عهد الاستقرار كتيبا قبل هذا تلبية لطلب أحد المريدين وجعله على خمسة أبواب وروى في كل باب خبرا بإسناد ، وأورد فصلا في معنى ذلك الخبر على نحو يليق بكمال فضله وفصاحته وجعل موضوعه أحوال وأقوال الشيخ قدس اللّه روحه العزيز ، ولكنه سلك فيه سبيل الاختصار والإيجاز . ولا يريد الداعي أن يعرض مع هذا الجوهر النفيس معدنه الخسيس ، أو أن يضع هذه البضاعة المزجاة في مقابل ذلك النصاب من الفضل والبلاغة ، لأنه لا يرى نفسه أهلا لذلك ، فكيف يتأتى له أن يقبض بيده على زمام عظمته ، وكيف يستطيع أن يصل في أي فن من فنون فضله إلى غبار دابته . . ، ولكنهم قالوا إنهم يسلكون المعادن الخسيسة مع الجوهر في سمط . وكان المأمول أن ما أتى به هذا العظيم وما انتهى إليه ذلك الداعي وصح من آثاره وكلماته يجرى على شبات القلم حتى يبقى بين الناس طويلا . أما ما اندرس بسبب الفتن والقلاقل فيعاوده رونقه وجدته ويبقى ذكرا لنا من بعدنا ، فمن المعلوم على وجه اليقين أنه كلما تباعد الزمان بالناس ازداد القصور في همتهم ( ص 9 ) ، وقل سالكو الطريق ، ولا يعين العلم كل شخص . والمعاملة نفسها كبريت أحمر في الندرة فلا أقل من أن يشنف أسماع المعتقدين