محمد بن المنور الميهني
167
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
وقال له الشيخ : ادعهم . فتقدم الدراويش وسلموا عليه ، وأبلغوه سلام الشيخ أبى الحسن ، فقال الشيخ : وعليه منا السلام ، ثم قال : بم يأمر الشيخ ؟ قالوا : لقد أقسم أنك لن تمضي ما لم تره . فقال الشيخ أبو سعيد : سأنفذ أمره . ثم قال لحسن : اعطهم شيئا ليأكلوا فقد جاءوا من بعيد ، وابعث باثنين منهم ليطمئن الشيخ ، واستبق واحدا ليذهب معنا . وإذا حضر أصحاب الدواب في الليل ، فاعتذر لهم وأعطهم الأجولة . فقال حسن : لقد جاءوا ، وأعطيتهم الأجولة ، ولم أطلب منهم الأجر ، وتركت لهم نفقات الطريق في الأجولة ؛ لأن الشيخ لم يأمرني بشئ في هذا الأمر . وكان الصوفية يجهلون ما حدث ، ويظنون أنهم سائرون إلى الصحراء في اليوم التالي . وتوجه الشيخ إلى بسطام وخرقان ، وجاء فارس فاضل من بسطام ، فركب الشيخ معه . وكان مسرورا جدا في ذلك اليوم ، وأخذ ينشد الشعر العربي . وقد ذكر ذلك الفارس أنه قد جرى على لسان الشيخ في ذلك اليوم ( ص 155 ) أكثر من ألف بيت . وعارض الدراويش حسن في الطريق وقالوا : يلزم لنا شئ نأكله ، فقال : الأكل في الجوال ، وقد أعطيته لأصحاب الدواب ، قالوا : هل تركت لهم الأجر أيضا ؟ فقال حسن : نعم ، لأن الشيخ لم يأمرني بشئ في هذا الأمر . وظلوا يجادلون في هذا حتى مر بهم الشيخ ، فسألهم : ما ذا حدث ؟ . فقال حسن : إن الدراويش يقولون لماذا اعتذرت إلى أصحاب الدواب ما دمت قد تركت لهم الأجر والنفقات . فقال لهم الشيخ : كان يجب الاعتذار إليهم ؛ لأن الحق تعالى كان قد أظهر لهم فضلا ولكن هذا الفضل لم يتم ؛ إذ كانوا يريدون أن يصحبوكم ويسيروا معكم ، فلما لم تتم لهم هذه النعمة ، أصبح كل ما سوى ذلك لا قيمة له ، فكان لابد من الاعتذار إليهم . وكان الشيخ مسرورا جدا طوال اليوم الذي توجه فيه إلى بسطام وقال : كل من أضاع وقتا في القدوم إلى هذا المكان ، ووهبه بحرمة هذا المكان للّه تعالى ، يرد إليه