محمد بن المنور الميهني
144
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
ما صنعته مجافيا للأدب ، فالمتزمت الصمت . فقال ذلك مرة أخرى ، فلم أجب أيضا . وعندما سأل للمرة الثالثة قلت : أنا . فقال : يا أبا على ، إن ما لم يدركه أبو القاسم في سبعين سنة أدركته أنت بدلو من الماء . وبقيت في خدمته أمدا مشغولا بالمجاهدة . وذات يوم ظهرت لي حال تحيرت في أمرها ، فأخبرته بها ، فقال لي : يا أبا على ، إن سلوكى ليس أعلى من هذا ، وكل ما هو أعلى من ذلك لا أستطيع معرفته . فقلت لنفسي أنا في حاجة إلى من يرشدنى إلى الطريق ، ويرفعني إلى مقام أعلى من هذا . وأخذت تلك الحال في الازدياد . وكنت قد سمعت بأبى القاسم الجرجاني ، فنهضت وتوجهت إليه في طوس . ولم أكن أعرف مكانه . ولما وصلت إلى المدينة ، سألت عنه ، فقيل إنه يجلس في مسجد بمحلة « رودبار » بين مريديه ، فذهبت إلى ذلك المسجد . وكان الشيخ أبو القاسم جالسا هناك ، فصليت ركعتين وتقدمت إليه ، وكان قد أحنى رأسه ، فرفعها وقال : تعال يا أبا على ، ماذا بك ؟ فسلمت عليه ، وأخبرته بما حدث لي . فقال : باركك اللّه ، ولتبدأ من الآن ، وإذا وجدت التربية الواجبة وصلت إلى مقام عظيم . فقلت لنفسي : هذا شيخى ، وأقمت في خدمته . وبعد أمد طويل ، أقبل علىّ الشيخ أبو القاسم ، وعقد لي عهده ، وأخذ شأني بعد ذلك في الارتفاع . ورغم أن هذا الشرح بعيد عن غرض الكتاب ؛ فقصدنا هو حادثته مع الشيخ أبي سعيد وقصة إعطائه الخرقة ، لكن ما دام قد خاض في ذكر بداية حاله فلم نشأ أن نترك ذلك الحديث . قال السيد الإمام أبو علي الفارمدى : عندما كنت لدى الشيخ أبى القاسم ( ص 131 ) اشتغلت بالرياضة والمجاهدة ، ولم يكن الشيخ أبو القاسم قد أجاز لي