أحمد بن علي الرفاعي الكبير

87

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى

* فمن أطاعه ، فبتوفيقه أطاعه ، فبتوفيقه أطاعه ، فله المنّة ، ومن عصاه ، فبمقدوره عصاه ، فله الحجة عليه ، فقد سبق فضله لمن أطاعه قبل طاعته ، وقد سبق عدله لمن عصاه قبل معصيته إياه ، لأنه الفعال لما يريد . وروي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال : إلهي ! لولا أنت كيف كنت أعرف من أنت ؟ . وقيل لأبي عبد اللّه رحمه اللّه تعالى : ما لنا نحب المدح والثناء ؟ فقال : لنسيان امتنان اللّه عليكم ، وحسن عنايته التي سبقت منه لكم ، فمن نسي المنّة ، وجحد النعمة ، قلبت له النعمة نقمة ! . * يا بني ! إن اللّه تعالى أعطاك المعرفة ، ووفقك لطاعته من غير إحسان سبق منك ، ومن غير شفاعة كانت لأجلك ، فينبغي أن تشتغل بذكره وخدمته ، من غير طلب عوض ومكافأة منه . فأهل الذكر أصناف مختلفة ، فمنهم من يذكر على جهة منّة الإسلام ، ومنهم على جهة السنّة والجماعة ، ومنهم من يذكره على جهة منّة ذكره ، حتى يصير قلبه والها ، ولسانه كليلا ، وعقله هائما ، ويصير في عظمته مبهوتا ، ويتيه في كرمه ، ويدهش في محبته ، لما علم أن الأعمال لا تقوم إلّا به . والذكر على وجهين : ذكر يتولد منه الخوف والخشية ، وذكر يتولد منه الشوق والمحبة . فأما ما ينتج الخوف والخشية ، فهو ذكر من يذكر اللّه مع نفسه ، ويرى ذكر اللّه له ، سبب ذكره للّه تعالى ، ويعلم أنه بذكر اللّه يصل إلى ذكره إياه . وأما الآخر : فهو ذكر الذي يذكر ذكر اللّه له في الأزل ، حيث لم يكن موجودا ، إلى أن يصير في الدنيا مفقودا ، ثم إلى الأبد ، فوجد ذكر اللّه له سابقا أزليا ، خالدا أبديا وذكره مكدرا بالشهوات ، ممزوجا بالغفلات ، فشتان بين من يدخل على اللّه برؤية ذكره ، وبين من يدخل على اللّه برؤية فضله ومنّته ، واعلم أن ذكر العبد للّه تعالى ، في إضافة ذكر اللّه تعالى للعبد ، كالغبار تحت الأمطار . بذكرك تحيى مهجتي يا مؤمّلي * وذكرك لي من قبل ذكري أكبر مننت بطول لا أقوم بشكره * فأيّ أياديك الجزيلة أشكر ؟ * * *