أحمد بن علي الرفاعي الكبير
30
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى
جميع ما فات ، يا صاحب كل غريب ! ويا مؤنس كل وحيد ! ويا مأوى كل فريد ! وجعل يمر وأنا أتبعه ، ثم أقبل إليّ وقال : إرجع - عافاك اللّه - إلى من هو خير لك مني ، ولا تشغلني عمن هو خير لي منك ؛ ثم غاب عن بصري . وحكي أن عبد الواحد بن زيد - رحمه اللّه تعالى - قال : مررت براهب فسألته : منذ كم أنت في هذا المكان ؟ فقال : منذ أربع وعشرين سنة . قلت : من أنيسك ؟ قال : الفرد الصمد . قلت : من المخلوقين ؟ قال : الوحش . قلت : فما طعامك ؟ قال : ذكر اللّه . قلت : من المأكول ؟ قال : ثمار هذه الأشجار ، ونبات الأرض . فقلت : أما تشتاق إلى أحد ؟ قال : نعم إلى حبيب قلوب العارفين . قلت : إلى المخلوقين ؟ قال : من كان شوقه إلى اللّه ، فكيف يشتاق إلى غيره ؟ قلت : فلم اعتزلت عن الخلق ؟ قال : لأنهم سرّاق العقول ، وقطّاع طريق الهدى ! قلت : ومتى يعرف العبد طريق الهدى ؟ قال : إذا هرب إلى ربه من كل ما سواه ، واشتغل بذكره عن كل من سواه . قال هرم بن حيان : رأيت أوس بن عامر - رحمه اللّه تعالى - فسلّمت عليه ، فقال : وعليك السلام يا هرم بن حيان ، فقلت : كيف عرفت اسمي واسم أبي ؟ قال : عرفت روحي روحك بنور معرفة ربي ، قلت : إني أحبك في اللّه . قال : ما أظن أن أحدا يحب غير اللّه ، فكيف يحب غير اللّه للّه ؟ قلت : أريد الصحبة معك ، والأنس بك . قال : ما ظننت عارفا يستوحش عن اللّه حتى يستأنس بغيره . قلت : أوصني . قال : أوصيك باللّه سبحانه ، فإنه عوض عن كل ما فاتك . وقال ذو النون المصري رحمه اللّه تعالى : كنت أسير في بعض المفاوز فإذا أنا برجل متزر بحشيش ، مرتد بحشيش ، فسلّمت عليه ، فردّ عليّ السلام ، ثم قال : من أين الفتى ؟ قلت : من مصر . قال : إلى أين ؟ قلت : أطلب الأنس بالمولى . قال : اترك الدنيا والعقبى ، يصح لك الطلب .