أحمد بن علي الرفاعي الكبير

19

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى

فمنهم من عرف اللّه بالقدرة ، فخافه . ومنهم من عرفه بالفضل ، فأحسن الظن به . ومنهم من عرفه بالمراقبة ، فاعتقد الصدق . ومنهم من عرفه بالعظمة ، فاعتقد الخشية . ومنهم من عرفه بالكفاية ، فاعتقد الافتقار إليه . ومنهم من عرفه بالفردانية ، واعتقد الصفوة . ومنهم من عرفه به فاعتقد الوصلة ، فوجدان ( أي معرفة ) الخوف على قدر عرفان القدرة ، ووجدان حسن الظن على قدر عرفان الفضل ؛ ووجدان الصدق على قدر عرفان المراقبة ، ووجدان الخشية على قدر عرفان العظمة ووجدان الافتقار على قدر عرفان الكفاية ، ووجدان الصفوة على قدر عرفان الفردانية ، ووجدان الوصلة على قدر عرفان الرّب تعالى . وكذلك أهل السماوات في العبادة على مقامات ، فمقام بعضهم الحياء ، والحرمة ؛ ومقام بعضهم القربة ، والمؤانسة ، ومقام بعضهم رؤية المنّة ، ومقام بعضهم : المراقبة ؛ ومقام بعضهم : الهيبة ، كما قال تعالى : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ( 164 ) [ الصّافات : 164 ] . فأهل المعرفة عامتهم يعرفونه على سبيل الخبر في التوحيد ، عن الصادق الأمين ، سيدنا وسيد العالمين محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فصدّقوه بقلوبهم ، وعملوا بأبدانهم ، إلّا أنهم دنسوا أنفسهم بالذنوب والمعاصي ؛ فعاشوا في الدنيا على الجهل والتقصير ، فهم على خطر عظيم ؛ إلا أن يرحمهم أرحم الراحمين . وأناس فوقهم يعرفونه بالدلائل ، وهم أهل النظر والعقل والفكر ، أيقنوا بالتوحيد ، من قبل الدلائل والآيات وآثار الربوبية ، استدلوا بالشاهد على الغائب ، واستيقنوا صحة الدلالة ، فهم على طريق حسن ، إلّا أنهم عاشوا محجوبين عن اللّه تعالى برؤية دلائلهم . وخواص أهل المعرفة من أولى اليقين ، عرفوه به سبحانه ، فوقفوا متمكنين مع معرفتهم ، لا تخطفهم الأدلة ، ولا تصرفهم العلة ، دليلهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وإمامهم القرآن ، ونورهم يسعى بين أيديهم . فمن عرفه تعالى بالخبر ، كمثل إخوة يوسف ، إذ عرفوا لونه ، وغفلوا عنه حتى افتضحوا بين يديه ، حيث قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ [ يوسف : 77 ] .