أحمد بن علي الرفاعي الكبير

20

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى

ومن عرفه بالدلائل ، كمثل يعقوب ، إذ عرف أن يوسف يعد في الأحياء ، فازداد حزنا وبكاء ، واحتمل ما احتمل من أنواع البلاء ، حتى ابيضّت عيناه من الحزن ، علما منه بحياته ، وشوقا إلى لقائه ، حتى قال : اذهبوا فتحسسوا من يوسف ، وقال : إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ [ يوسف : 94 ] حتى قال من غفل عنه : تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [ يوسف : 95 ] وقالوا : تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ [ يوسف : 85 ] . ومثل من عرفه به ، كبنيامين حين أخذه يوسف لنفسه ، فقال : يا أخي أمشاهدتي تريد ، أم الرجوع إلى أبيك ؟ قال : بلى مشاهدتك أريد ، قال : فإن أردتني فاصبر على محنتي ، قال : نعم ، أحتمل لأجلك كل بلوى ، أليس أني أبقى معك ولا أفارقك ؟ ثم أخرج الصاع من وعائه ، ونسبه إلى السرقة ! حتى عابه أهل مصر على ذلك ولاموه ، وشتمه إخوته ، وهو في ذلك كله مسرور ضاحك في سره ، ولم يخف من لومة اللائمين ! فهذا مثل من عرفه من أهل اليقين . أصناف الرجال : وقال شيخ الطائفة الإمام الحسن البصري رضي اللّه عنه أهل المعرفة في الدنيا على ثلاثة منازل : 1 - رجل لقي العبادة فعانقها وخلط بها لحمه ودمه ، وفزع إليها قلبه ، وعلم أن اللّه تعالى رازقه وكافيه ، فوثق بوعده ، فلم يشغل نفسه بشيء من أمور الدنيا ، جعل السماء سقفه ، والأرض بساطه ، ولا يبالي على يسر أصبح ، أم على عسر ، أمسى يعبد اللّه تعالى حتى يأتيه اليقين ؛ فهذا الضرب في الدنيا أعز من الكبريت الأحمر . 2 - ورجل آخر لم يصبر كما صبر الأول ، فطلب كسرة من حلّها ، يقيم بها صلبه ، وخرقة يواري بها عورته ، وبيتا يسكنه ، وزوجة يستعف بها ، وهو مع ذلك شديد الخوف ، عظيم الرجاء ، فهو على طريق حسن . 3 - وأما الثالث : فإنه لا يصدق اللّه بقوله ! فيبني القصر المشيد ، ويركب المركب الفره ( المركب الحسن ) ، ويستخدم الخدم ؛ فليس له في الآخرة من خلاق ! إلا أن يرحمه أرحم الراحمين . أصناف العابدين : رأيت في بعض الأخبار أن عيسى ابن مريم عليه السلام مرّ بنفر من الناس ، قد نحلت أبدانهم ، وتغيّرت ألوانهم ، فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟ قالوا : الخوف من النار ، فقال : حقّ على اللّه أن يؤمّن الخائف .