أحمد بن علي الرفاعي الكبير
113
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى
مستقيم على صدق العبودية ، من غير رؤية العبودية ، فارغ القلب عن الشغل بغير اللّه ، مع الاتكال بالقلب على اللّه ، متواضع لأهل الإيمان ، قائم على بساط الأحزان ، حتى يأتيه اليقين ( الموت ) بالعفو والرضوان . لسانه مثل قلبه ، يصدق في جميع أقواله وأفعاله ، لا كما قال اللّه تعالى : لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ [ الصّف : 2 ] . شاكر لقليل النعمة ، صابر على كثير الشدة ، راض بقضاء ربّ العزة ، دائم على احتراس القلب للّه بالحجة . لا يخاف دون اللّه ، ولا يرجو غير اللّه ، ولا يريد إلّا اللّه ؛ لما علم أنه لا مضر ولا نافع ، ولا رافع ولا دافع ، ولا معزّ ولا مذلّ ، إلّا اللّه وحده لا شريك له . متابع لسنّة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، وأخلاقه ، ومذاهب أصحابه . خائف من سوء العاقبة ، مشتغل بالمقدّر إذا اشتغل الناس بالتقدير ، وبالمدبّر إذا اشتغلوا بالتدبير ، جالس على بساط الخدمة مع الحياء ، متكئ على سرير الفقر والفاقة ، مشرف على غرف القرب والمشاهدة ، شارب بكأس الأنس والمحبة ، يطيل صمته ، ويكظم غيظه ، ويغلب شهوته ، ويفارق راحته ، من غير أن يلتفت إلى معاملة قلبه . فارغ من مصالح نفسه ، تارك لجميع راحاته وشهواته ، خائف من الوحشة بينه وبين حبيبه ، يكون أحسن الناس للناس وأتقاهم ، وأصدق الناس وأصفاهم ، وأعقل الناس وأرعاهم ، ينظر إلى الدنيا بعين الاعتبار ، وإلى النفس بعين الاحتقار ، وإلى الآخرة بعين الاستبشار ، وإلى الرب بعين الافتخار . في الاستقامة كالجبل الراسي ، لا تحركه الرياح الهائجة ، لا يطلب ما ليس له ، ولا يهتم بما قسم له ، فارغ عن خدمة المخلوقين ، مشتغل بخدمة رب العالمين ؛ لا يعرض عنه ببلواه ، ولا يختار حبيبا سواه . نفسه طاهرة من كل خطأ وزلة ، وقلبه متبرىء من كل سهو وغفلة ، وسره من كل حول وقوة ، بدون اللّه - سبحانه - لا يرضى . طعامه طعام المرضى ، وبكاؤه بكاء الثكلى ، لا يتوكل قلبه إلا عليه ، ولا يسلم إلّا إليه ، يشكر النعمة إلّا له ، ولا يطلب الحاجة إلّا منه . مستأنس باللّه في جميع الأحوال ، منقطع إليه في جميع الأعمال . وذكر اللّه حديثه في جميع المقال ، تارك اختياره إلى ذي الجلال . نومه قليل ، وحزنه طويل ، وبدنه نحيل ، وأنيسه الملك الجليل ؛ حسبنا اللّه ونعم الوكيل . * * *