أحمد بن علي الرفاعي الكبير
110
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى
ويقال : أدنى أوصاف أهل الصفاء ، عيش القلب مع اللّه بلا علاقة ، ومن لم يعرف نفسه بالفقر والفاقة ، والعجز والضعف لم ينل صفوة اليقين . وإذا كان العبد للّه تعالى كأن لم يكن ، يكن اللّه تعالى له كما لم يزل . وقال أبو سليمان رحمه اللّه تعالى : طوبى لمن صحّت له خطوة واحدة ، لا يريد بها إلا اللّه تعالى . وقال الإمام معروف الكرخي رضي اللّه عنه : بينا أنا أسير في البادية ، لم يكن معي أحد من البشر ، إذ نزل شخص من السماء ، فسألني : ما الصفاء ؟ فقلت : صدق الوفاء ، فقال : صدقت ! . ثم عرج وهو يقول : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ [ الإنسان : 7 ] . أما ترى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وضع قدما واحدا بصدق الوفاء ، على صخرة صمّاء ، فأمر اللّه تعالى أن اتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى ! . وحقيقة الصفاء : التخلق بخلق المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، والاقتداء بأصحابه أولي الصدق والوفاء ، والانقطاع إلى الملك الأعلى . وقيل : حقيقة الصفاء ، طرح القلب على بساط الامتنان ، واستقامة السر مع الملك الديّان . وقيل : تصفية القلوب لعلّام الغيوب . وقيل : صدق الافتقار ، مع دوام الاضطرار ؛ وترك الاختيار ، مع حسن الانتظار . وقيل : فناء الكلية تحت كمال القدرة ، وطيران الهمة بأجنحة الشوق نحو رب العزة . وقيل : هجرة السر إلى اللّه من المراتب والدرجات ، والفرار إلى اللّه من المنازل والمقامات . وقيل : هي مجانبة دواعي النفس ، ومتابعة دواعي الروح ، وإخماد صفات البشرية ، تحت صفات الربوبية . * * *