أحمد بن علي الرفاعي الكبير
108
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى
وقال يحيى بن أبي كثير رحمه اللّه تعالى : دخلت مكة ، فاستقبلني عطاء بن أبي رباح ، وسلم عليّ ، ثم أقبل على الناس فقال : تسألوني عن العلم ، وفيكم يحيى بن أبي كثير ! . قال : فتضرعت إلى اللّه أربعين يوما ، إلى أن يذهب حلاوة هذه المقالة من قلبي ! . ويروى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « ألا إن أواني اللّه في الأرض هي القلوب ، فأحب الأواني إلى اللّه تعالى : أصفاها وأصلبها وأرقها » . معناه : أصفاها للّه عند المراقبة ، وأصلبها في دين اللّه عند المخاطبة ، وأرقها على الإخوان عند الموافقة . وقال يوسف بن الحسين رحمه اللّه تعالى : لما اشتغل قلب مريم بحب ابنها ، سمعت صوتا : لما كان سرك صافيا لنا ، كنا نرزقك في الشتاء والصيف ، من غير واسطة ، ولا شدة ، ولا عناء . فلما ميّلت سرك عني فلا يأتيك رزقك إلّا بشدة ، وذلك قوله تعالى : وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ( 25 ) [ مريم : 25 ] . وقال أبو محمد الجريري رحمه اللّه تعالى : اعلم أن العبد إذا لم يصفّ وقته للّه تعالى في إقامة العبودية ، انقطع عن اللّه وهو لا يشعر ؛ فمن اجتهد في صفاء معاملة الظاهر ، أورثه اللّه صفاء معاملة الباطن . ومعنى قوله : انقطع عن اللّه وهو لا يشعر . قول أبي زيد رحمه اللّه تعالى : من ظنّ أنه بالحال يصل ، فبالحال ينقطع ، ومن طلب الأنس بالحال ، فبالحال يستوحش . قال أبو محمد الجريري رحمه اللّه تعالى : إنّ اللّه تعالى حكم على أصفيائه وأحبابه ، أن لا يخرجون من الدنيا إلّا وطوق العبودية في أعناقهم . وبحق أقول : ما اشتغل أحد بغيره إلّا ضاع عمره ، وذهبت عنه صفاوة الوقت ؛ فمن أراد صفاوة الوقت ، فليؤثر اللّه على شهوته . وقيل لواحد : ما حقيقة صفاوة الوقت ؟ . فقال : تصفية الكلية ، لخلّاق البرية ، بوفاء صدق العبودية .