عبد القادر الجيلاني
88
فتوح الغيب
المقالة الثّامنة في التّقرّب إلى اللّه إذا كنت في حالة لا تختر غيرها أعلى منها ولا أدنى ، فإذا كنت على باب دار الملك لا تختر الدّخول إلى الدّار حتّى تدخل إليها جبرا لا اختيارا . وأعني بالجبر : أمرا عنيفا متأكّدا متكرّرا ، ولا تكتف بمجرّد إذن في الدّخول ، لجواز أن يكون ذلك مكرا وخديعة من الملك ، لكن اصبر حتّى تجبر على الدّخول ، فتدخل الدّار جبرا محضا وفضلا من الملك ، فحينئذ لا يعاقبك الملك على فعله ، إنّما تتعرّض العقوبة لك لشؤم تخيّرك وشرهك ، وقلّة صبرك وسوء أدبك ، وترك الرّضا بحالتك الّتي أقمت فيها ، فإذا حصلت فكن مطرقا غاضّا لبصرك ، متأدّبا ، محافظا لما تؤمر به من الشّغل والخدمة فيها غير طالب للتّرقّي إلى الذّروة العليا . قال اللّه عزّ وجلّ : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [ طه : 131 ] . فهذا تأديب منه عزّ وجلّ لنبيّه المختار صلّى اللّه عليه وسلم في حفظ الحال ، والرّضا بالعطاء بقوله : وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى . أي : ما أعطيتك من الخير والنّبوّة والعلم والقناعة والصّبر وولاية الدّين ، والعزوة « 1 » فيه أولى ممّا أعطيت غيرك وأحرى ، فالخير كلّه في حفظ الحال والرّضا بها ، وترك الالتفات إلى ما سواها ، لأنّه لا يخلو : إمّا أن يكون قسمك ، أو قسم غيرك ، أو أنّه لا قسم لأحد بل أوجده اللّه فتنة . فإن كان قسمك وصل إليك ، شئت أم أبيت ، فلا ينبغي أن يظهر منك سوء الأدب والشّره في طلبه ، فإنّ ذلك غير محمود في قضيّة العلم والعقل . وإن كان قسم غيرك ، فلا تتعب فيما لم تناله ، ولا يصل إليك أبدا .
--> ( 1 ) في المطبوع : ( والعروة ) .