عبد القادر الجيلاني

80

فتوح الغيب

--> - قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ آل عمران : 186 ] . فأخبرهم أن أعداءهم من المشركين وأهل الكتاب لا بدّ أن يؤذوهم بألسنتهم ، وأخبر أنهم إن يصبروا ويتّقوا ، فإن ذلك من عزم الأمور . فالصبر والتقوى : يدفع شرّ العدو المظهر للعداوة ، المؤذين بألسنتهم والمؤذين [ في نسخة : المؤذون بألسنتهم والمؤذون ] بأيديهم ، وشرّ العدو المبطن للعداوة ، وهم المنافقون . وهذا الذي كان خلق النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهديه هو أكمل الأمور . فأمّا من أراد ما يحبّه اللّه تارة ، وما لا يحبّه تارة ، أو لم يرد لا هذا ولا هذا ، فكلاهما دون خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وإن لم يكن على واحد منهما إثم ، كالذي يريد ما أبيح له من نيل الشهوة المباحة ، والغضب ، والانتقام المباح ، كما هو خلق بعض الأنبياء والصالحين ، فهو وإن كان جائزا لا إثم فيه ، فخلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أكمل منه . وكذلك من لم يرد الشهوات المباحة ، وإن كان يستعان بها على أمر مستحب ، ولم يرد أن يغضب وينتقم ويجاهد إذا جاز العفو ، وإن كان الانتقام للّه أرضى للّه ، كما هو أيضا خلق بعض الأنبياء والصالحين . فهذا وإن كان جائزا لا إثم فيه ، فخلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أكمل منه . وهذا والذي قبله إذا كان شريعة لنبيّ ، فلا عيب على نبي فيما شرع اللّه له . لكن قد فضّل اللّه بعض النبيين على بعض ، وفضّل بعض الرسل على بعض . والشريعة التي بعث اللّه بها محمدا [ في نسخة : محمد ] صلّى اللّه عليه وسلم أفضل الشرائع ؛ إذ كان محمد صلّى اللّه عليه وسلم أفضل الأنبياء والمرسلين ، وأمّته خير أمّة أخرجت للناس . قال أبو هريرة في قوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ آل عمران : 110 ] : كنتم خير الناس للناس ، تأتون بهم في الأقياد والسلاسل حتّى تدخلوهم الجنة ، يبذلون أموالهم وأنفسهم في الجهاد لنفع الناس ، فهم خير الأمم للخلق . والخلق عيال اللّه فأحبهم إلى اللّه أنفعهم لعياله . وأمّا غير الأنبياء : فمنهم من يكون ذلك شرعة لاتّباعه لذلك النبي ، وأما من كان من أهل شريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ومنهاجه ، فإن كان ما تركه واجبا عليه وما فعله محرّما عليه كان مستحقا للذّمّ والعقاب ، إلا أن يكون متأوّلا مخطئا ، فاللّه قد وضع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان ، وذنب أحدهم قد يعفو اللّه عنه بأسباب متعددة . ومن أسباب هذا الانحراف : أن من الناس من تغلب عليه طريقة الزهد في إرادة نفسه ، فيزهد في موجب الشهوة والغضب ، كما يفعل ذلك من يفعله من عبّاد المشركين وأهل الكتاب ، كالرهبان وأشباههم ، وهؤلاء يرون الجهاد نقصا لما فيه من قتل النفوس وسبي الذريّة وأخذ الأموال ، ويرون أن اللّه لم يجعل عمارة بيت المقدس على يد داود ، لأنه جرى على يديه سفك الدماء . ومنهم من لا يرى ذبح شيء من الحيوان كما عليه البراهمة . ومنهم من لا يحرّم ذلك ، لكنه هو يتقرّب إلى اللّه بأنه [ في نسخة : بأن ] لا يذبح حيوانا ولا يأكل لحمه ، ( بل ) ولا ينكح النساء ، ويقول مادحه [ في نسخة : ويقول في ممادحه ] : فلان ما نكح ، ولا ذبح . وقد أنكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم على هؤلاء كما في الصحيحين [ خ ( 4776 ) وم ( 1401 ) ] عن أنس : أن نفرا من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن عمله في السّرّ ؟ فقال بعضهم : لا أتزوج النساء . -