عبد القادر الجيلاني
81
فتوح الغيب
--> - وقال بعضهم : لا آكل اللحم . وقال بعضهم : لا أنام على فراش . فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وقال : « ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ! لكنّي أصلّي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، وآكل اللحم ، فمن رغب عن سنتي فليس منّي » . وقد قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [ المائدة : 87 ] . نزلت في عثمان بن مظعون وطائفة معه كانوا قد عزموا على التبتل ، ونوع من الترهّب . وفي الصحيحين عن سعد قال : ردّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل ، ولو أذن له لاختصينا . والزهد النافع المشروع الذي يحبه اللّه ورسوله : هو الزهد فيما لا ينفع في الآخرة ، فأمّا ما ينفع في الآخرة ، وما يستعان به على ذلك ، فالزهد فيه زهد في نوع من عبادة اللّه وطاعته ، والزهد إنما يراد لأنه زهد فيما يضر ، أو زهد فيما لا ينفع . فأما الزهد في النافع فجهل وضلال ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « احرص على ما ينفعك ، واستعن باللّه ، ولا تعجز [ في نسخة : تعجزن ] » . والنافع للعبد : هو عبادة اللّه ، وطاعته ، وطاعة رسوله . وكل ما صدّه عن ذلك فإنه ضارّ لا نافع . ثم الأنفع له : أن تكون كل أعماله عبادة للّه وطاعة له ، وإن أدّى الفرائض وفعل مباحا لا يعينه على الطاعة فقد فعل ما ينفعه وما لا ينفعه ولا يضره . وكذلك الورع المشروع : هو الورع عمّا قد تخاف عاقبته ، وهو ما يعلم تحريمه ، وما يشك في تحريمه ، وليس في تركه مفسدة أعظم من فعله . مثل ( فعل ) محرّم معيّن [ في نسخة : يتعيّن ] . مثل من يترك أخذ الشبهة ورعا مع حاجته إليها ، ويأخذ بدل ذلك محرّما بيّنا تحريمه ، أو يترك واجبا تركه أعظم فسادا من فعله مع الشبهة ، كمن يكون على أبيه أو عليه ديون هو مطالب بها ، وليس له وفاء إلا من مال فيه شبهة ، فيتورّع عنها ، ويدع ذمّته وذمّة في نسخة : أو ذمة ] أبيه مرتهنة . وكذلك من الورع : الاحتياط بفعل ما يشكّ في وجوبه ، لكن على هذا الوجه . وتمام الورع : أن يعمّ الإنسان خير الخيرين ، وشرّ الشرّين ، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية ، فقد يدع واجبات ويفعل محرّمات ، ويرى ذلك من الورع . كمن يدع الجهاد مع الأمراء الظلمة ، ويرى ذلك ورعا . ويدع الجمعة والجماعة خلف الأئمة الذين فيهم بدعة أو فجور ، ويرى ذلك من الورع . ويمتنع عن قبول شهادة الصادق وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفيّة ، ويرى ترك قبول سماع هذا الحق الذي يجب سماعه من الورع . وكذلك الزهد والرغبة : من لم يراع ما يحبه اللّه ورسوله من الرغبة والزهد ، وما يكرهه من ذلك ، وإلا فقد يدع واجبات ويفعل محرّمات . مثل : من يدع ما يحتاج إليه من الأكل ، أو أكل الدسم ، حتّى يفسد عقله أو تضعف قوته ، عما يجب عليه من حقوق اللّه تعالى ، أو حقوق [ في نسخة : وحقوق ] عباده ، أو يدع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد في سبيل اللّه ، لما في فعل ذلك من أذى بعض الناس والانتقام منهم ، حتى يستولي الكفار والفجار على الصالحين الأبرار ، فلا ينظر المصلحة الراجحة في ذلك .