عبد القادر الجيلاني
75
فتوح الغيب
--> - شُكُوراً [ الإنسان : 9 ] . وقال تعالى : وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [ الأحزاب : 29 ] . وقال تعالى : وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [ الإسراء : 19 ] . وقال تعالى : ف قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ( 11 ) [ الزمر : 2 - 3 ] . وقال تعالى : قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي [ الزمر : 14 ] . وقال تعالى : * وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [ النساء : 36 ] . وقال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذاريات : 56 ] . ولا عبادة إلّا بإرادة اللّه ، ولما أمر به ، قال [ في نسخة : وقال ] تعالى : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [ البقرة : 112 ] أي : أخلص قصده للّه . وقال تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ البينة : 5 ] . وإخلاص الدين له : هو إرادته وحده بالعبادة . وقال تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] . وقال تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [ البقرة : 165 ] . وقال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] . وكل محبّ فهو مريد ، وقال الخليل عليه السّلام : لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [ الأنعام : 76 ] ، ثم قال : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ [ الأنعام : 79 ] . ومثل هذا كثير في القرآن ، يأمر اللّه بإرادته ، وإرادة ما يأمر به ، وينهى عن إرادة غيره ، وإرادة ما نهى عنه . وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها [ في نسخة : يتزوجها ] ، فهجرته إلى ما هاجر إليه » . فهما إرادتان : إرادة يحبها اللّه ويرضاها ، وإرادة لا يحبها اللّه ولا يرضاها ، بل إمّا نهى عنها ، وإمّا لم يأمر بها ولا ينهى عنها . والناس في الإرادة ثلاثة أقسام : قوم يريدون ما يهوونه ، فهؤلاء عبيد أنفسهم والشيطان . وقوم يزعمون أنهم فرغوا من الإرادة مطلقا ، ولم يبق لهم مراد إلا ما يقدّره الرب ، وأن هذا المقام هو أكمل المقامات ، ويزعمون أن من قام بهذا فقد قام بالحقيقة ، وهي الحقيقة القدرية الكونية ، وأنه شهد القيّوميّة العامّة ، ويجعلون الفناء في شهود توحيد الربوبيّة هو الغاية ، وقد يسمون هذا الجمع والفناء والاصطلام ، ونحو ذلك ، وكثير من الشيوخ زلقوا في هذا الموضع . وفي هذا المقام كان النزاع بين الجنيد بن محمد وبين طائفة من أصحابه الصوفية ، فإنهم اتّفقوا على شهود توحيد الربوبية ، وأن اللّه خالق كل شيء وربّه ومليكه ، وهو شهود القدر ، وسمّوا هذا مقام الجمع ، فإنه خرج به عن الفرق الأول ، وهو الفرق الطبيعي بإرادة هذا وكراهة هذا ، ورؤية فعل هذا وترك هذا ، فإن الإنسان قبل أن يشهد هذا التوحيد يرى للخلق فعلا يتفرق به قلبه في شهود أفعال المخلوقات ، ويكون متبعا لهواه فيما يريده ، فإذا أراد الحق خرج بإرادته عن إرادة الهوى والطبع ، ثم يشهد [ في نسخة : شهد ] أنه خالق كل شيء ، فخرج بشهود هذا الجمع عن ذاك الفرق ، فلما اتفقوا على هذا ذكر لهم الجنيد بن محمد الفرق الثاني ، وهو بعد هذا الجمع ، وهو الفرق الشرعي : ألا ترى أنك تريد ما أمرت به ، ولا تريد ما نهيت عنه ؟ وتشهد أن اللّه هو يستحق العبادة دون ما سواه ، وأن عبادته هي بطاعة رسله ، فتفرق -