عبد القادر الجيلاني

76

فتوح الغيب

--> - بين المأمور والمحظور ، وبين أوليائه وأعدائه ، وتشهد توحيد الألوهية ، فنازعوه في هذا الفرق . منهم من أنكره . ومنهم من لم يفهمه . ومنهم من ادّعى أن المتكلم فيه لم يصل إليه . ثم إنك تجد كثيرا من الشيوخ إنما ينتهي إلى ذلك الجمع ، وهو توحيد الربوبية ، والفناء فيه كما في كلام صاحب منازل السائرين مع جلالة قدره ، مع أنه قطعا كان قائما بالأمر والنهي المعروفين ، لكن قد يدعون أن هذا لأجل العامّة . ومنهم من يتناقض [ في نسخة : يناقض ] . ومنهم من يقول الوقوف مع الأمر لأجل مصلحة العامّة ، وقد يعبّر عنهم بأهل المارستان . ومنهم من يسمّي ذلك مقام التلبيس . ( ومنهم من يقول : إنما التكليف على الإنسان ما دام عبدا ، فإذا ترقّى من منزلة العبودية إلى منزلة الحرية سقط عنه التكليف ، فلا يبقى عليه تكليف ؛ لأن الحرّ لا تكليف عليه لأحد ) . ومنهم من يقول : التحقيق أن يكون الجمع في قلبك مشهودا ، والفرق على لسانك موجودا ، فيشهد بقلبه استواء المأمور والمحظور مع تفريقه بلسانه بينهما . ومنهم من يرى أن هذه هي الحقيقة التي هي منتهى سلوك العارفين ، وغاية منازل الأولياء الصدّيقين . ومنهم من يظن أن الوقوف مع إرادة الأمر والنهي يكون في السلوك والبداية ، وأما في النهاية فلا تبقى إلا إرادة القدر ، وهو في الحقيقة قول بسقوط العبادة والطاعة ، فإن العبادة للّه والطاعة له ولرسوله ، إنما تكون في امتثال الأمر الشرعي لا في الجري مع المقدور ، وإن كان كفرا أو فسوقا أو عصيانا [ في نسخة : وفسوقا وعصيانا ] ، ومن هنا صار كثير من السالكين من أعوان الكفّار والفجّار وخفرائهم ، حيث شهدوا القدر معهم ، ولم يشهدوا الأمر والنهي الشرعيين . ومن هؤلاء من يقول : من شهد القدر سقط عنه الملام . ويقولون [ في نسخة : ويقول ] : إن الخضر إنما سقط عنه الملام لمّا شهد القدر . وأصحاب شهود القدر قد يؤتى أحدهم ملكا من جهة خرق العادة بالكشف والتصرف ، فيظن ذلك كمالا في الولاية ، وتكون تلك الخوارق إنما حصلت بأسباب شيطانية ، وأهواء نفسانية ، وإنما الكمال في الولاية أن يستعمل خرق العادات في إقامة الأمر والنهي الشرعيين ، مع حصولهما بفعل المأمور وترك المحظور ، فإذا حصلت بغير الأسباب الشرعية فهي مذمومة ، وإن حصلت بالأسباب الشرعية لكن استعملت ليتوصل بها إلى محرّم كانت مذمومة ، وإن توصل بها إلى مباح لا يستعان بها على طاعة كانت للأبرار دون المقربين ، وأما إن حصلت بالسبب الشرعيّ واستعين بها على فعل الأمر الشرعي ، فهذه خوارق المقرّبين السابقين . فلا بدّ أن ينظر في الخوارق في أسبابها وغاياتها : من أين حصلت ؟ وإلى ماذا أوصلت ؟ كما ينظر في الأموال : في مستخرجها ومصروفها ؟ ومن استعملها - أعني : الخوارق - في إرادته الطبيعية كان مذموما . ومن كان خاليا عن الإرادتين الطبيعية والشرعية ، فهذا حسبه أن يعفى عنه ، لكونه لم يعرف الإرادة الشرعية . وأما إن عرفها وأعرض عنها ، فإنه يكون مذموما مستحقّا للعقاب إن لم يعف عنه ، وهو يمدح بكون إرادته ليست بهواه ، لكن يجب مع ذلك أن تكون موافقة لأمر اللّه تعالى ورسوله ، لا يكفيه أن تكون لا من هذا ولا من هذا ، مع أنه لا يمكن خلوه عن الإرادة مطلقا ، بل لا بدّ له من إرادة ، فإن لم -