عبد القادر الجيلاني
56
فتوح الغيب
--> - وإرادته بحسب ذاك ، فهذا مستطاعه . وإذا أدّى الطالب ما أمر به ، وترك ما نهي عنه ، وكان علمه مطابقا لعمله ، فهذا مستطاعه . وقال ابن قيّم الجوزية في عدّة الصابرين وذخيرة الشاكرين ( ص 19 - ) : الصبر باعتبار متعلّقه ثلاثة أقسام : صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها ، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها ، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها . وهذه الأنواع الثلاثة هي التي قال فيها الشيخ عبد القادر في فتوح الغيب : لا بدّ للعبد من أمر يفعله ، ونهي يجتنبه ، وقدر يصبر عليه . وهذا الكلام بطرفين : طرف من جهة الرب تعالى ، وطرف من جهة العبد . فأما الذي من جهة الرب : فهو أن اللّه تعالى له على عبده حكمان : حكم شرعي ديني ، وحكم كوني قدري . فالشرعي متعلّق بأمره ، والكوني متعلّق بخلقه ، وهو سبحانه لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ . وحكمه الديني الطلبي نوعان بحسب المطلوب ، فإن المطلوب إن كان محبوبا له ، فالمطلوب فعله : إما واجبا ، وإما مستحبا ، ولا يتم ذلك إلا بالصبر ، وإن كان مبغوضا له ، فالمطلوب تركه إما تحريما وإما كراهة . وذلك أيضا موقوف على الصبر . فهذا حكمه الديني الشرعي . وأما حكمه الكوني : فهو ما يقضيه ويقدّره على العبد من المصائب التي لا صنع له فيها ، ففرضه الصبر عليها ، وفي وجوب الرضا بها قولان للعلماء ، وهما وجهان في مذهب أحمد ، أصحّهما : أنه مستحب ، فمرجع الدين كله إلى هذه القواعد الثلاث : فعل المأمور ، وترك المحظور ، والصبر على المقدور . وأما الذي من جهة العبد فإنه لا ينفكّ عن هذه الثلاث ، ما دام مكلّفا ، ولا تسقط عنه هذه الثلاث حتى يسقط عنه التكليف ، فقيام عبودية الأمر والنهي والقدر على ساق الصبر لا تستوي إلا عليه ، كما لا تستوي السنبلة إلا على ساقها ، فالصبر متعلق بالمأمور والمحظور والمقدور بالخلق والأمر . والشيخ دائما يحوم حول هذه الأصول الثلاثة ، كقوله : يا بني افعل المأمور ، واجتنب المحظور ، واصبر على المقدور . وهذه الثلاثة هي التي أوصى بها لقمان لابنه في قوله : يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ [ لقمان : 17 ] . فأمره بالمعروف يتناول فعله بنفسه وأمر غيره به ، وكذلك نهيه عن المنكر ، أما من حيث إطلاق اللفظ ، فتدخل نفسه فيه وغيره ، وأما من حيث اللزوم الشرعي ، فإن الآمر الناهي لا يستقيم له أمره ونهيه حتى يكون أول مأمور ومنهي . وذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في قوله : إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 19 ) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ( 20 ) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ( 21 ) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [ الرعد : 19 - 22 ] . فجمع لهم مقامات الإسلام والإيمان في هذه الأوصاف ، فوصفهم بالوفاء بعهده الذي عاهدهم عليه ، وذلك يعمّ أمره ونهيه الذي عهده إليهم بينهم وبينه ، وبينهم وبين خلقه ، ثم أخبر عن استمرارهم بالوفاء به بأنهم لا يقع منهم نقضه ، ثم وصفهم بأنهم يصلون ما أمر اللّه به أن يوصل ، ويدخل في هذا ظاهر الدين وباطنه ، وحق اللّه ، وحق خلقه ، فيصلون ما بينهم وبين ربهم بعبوديته وحده ، لا شريك له ، والقيام بطاعته ، والإنابة إليه ، -