عبد القادر الجيلاني
55
فتوح الغيب
--> - بأيّ عبادة كانت ، بل هذه طريقة المشركين المبتدعين الذين لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 21 ) [ الشورى : 21 ] . كالنصارى ومن أشبههم من أهل البدع الذين يعبدون غير اللّه بغير أمر اللّه . وأما أهل الإسلام والسنة : فهم يعبدون اللّه وحده ، ويعبدونه بما شرع ، لا يعبدونه بالبدع إلا ما يقع من أحدهم خطأ . فالسالكون طريق الإرادة قد يغلطون تارة في المراد ، وتارة في الطريق إليه ، وتارة يألّهون [ في نسخة : يتألهون ] غير اللّه ، بالخوف منه ، والرجاء له ، والتعظيم والمحبة له ، وسؤاله والرغبة إليه . فهذا حقيقة [ في نسخة : فهذا من ] الشرك المحرم ، فإن حقيقة التوحيد أن لا يعبد [ في نسخة : تعبد ] إلا اللّه . والعبادة تتضمّن كمال الحب ، وكمال التعظيم ، وكمال الرجاء والخشية والإجلال [ في نسخة : والجلال ] والإكرام . والفناء في هذا التوحيد : هو فناء المرسلين وأتباعهم ، وهو : أن تفنى بعبادته عن عبادة ما سواه ، وبطاعته عن طاعة ما سواه ، وبسؤاله عن سؤال ما سواه ، وبخوفه عن خوف ما سواه ، وبرجائه عن رجاء ما سواه ، وبحّبه والحبّ فيه عن محبّة ما سواه والحبّ فيه . وأما الغالطون في الطريق : فقد يريدون اللّه ، لكن لا يتّبعون الأمر الشرعيّ في إرادته ، لكن تارة يعبده أحدهم بما يظنّه يرضيه ، ولا يكون كذلك . وتارة ينظرون إلى القدر لكونه مراده ، فيفنون في القدر الذي ليس لهم فيه غرض . وأما الفناء المطلق فيه فممتنع . وهؤلاء يفنى [ في نسخة : يبقى ] أحدهم متبعا لذوقه ووجده المخالف للأمر الشرعي ، أو ناظرا إلى القدر . وهذا يبتلى به كثير من خواصّهم . والشيخ عبد القادر ونحوه من أعظم مشايخ زمانهم : آمرا بالتزام الشرع ، والأمر والنهي ، وتقديمه على الذوق والقدر ، ومن أعظم المشايخ أمرا بترك الهوى والإرادة النفسية . فإن الخطأ في الإرادة من حيث هي إرادة إنما تقع [ في نسخة : يقع ] من هذه الجهة ، فهو يأمر السالك أن لا تكون له إرادة من جهة هواه أصلا ، بل يريد ما يريده الرب عزّ وجلّ : إما إرادة شرعيّة إن تبيّن له ذلك ، وإلا جرى مع الإرادة القدرية ، فهو إما مع أمر الرب ، وإما مع خلقه ، وهو سبحانه لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] . وهذه طريقة شرعية [ في نسخة : شريفة ] صحيحة إنما يخاف على صاحبها من ترك إرادة شرعية لا يعلم أنها شرعية ، أو من تقديم إرادة قدرية على الشرعية ، فإنه إذا لم يعلم أنها شرعية [ في نسخة : يعلم الشرعية ] فقد يتركها ، وقد يريد ضدّها ، فيكون ترك مأمورا ، أو فعل محظورا ، وهو لا يعلم . فإن طريقة الإرادة يخاف على صاحبها من ضعف العلم ، وما يقترن بالعلم من العمل ، والوقوع في الضلال ، كما أن طريقة العلم يخاف على صاحبها من ضعف العمل ، وضعف العلم الذي يقترن بالعمل ، لكن لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] من هذا وهذا . قال تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن : 16 ] ، فإذا تفقّه السّالك ، وتعلّم الأمر والنّهي بحسب اجتهاده ، وكان علمه -