عبد القادر الجيلاني

285

فتوح الغيب

المقالة الثّامنة والسّبعون في أهل المجاهدة والمحاسبة وأولي العزم وبيان خصالهم لأهل المجاهدة والمحاسبة وأولي العزم عشر خصال جرّبوها ، فإذا أقاموها وأحكموها بإذن اللّه تعالى وصلوا إلى اللّه والمنازل الشّريفة : الأولى : أن لا يحلف باللّه عزّ وجلّ صادقا ولا كاذبا ، عامدا ولا ساهيا ، لأنّه إذا أحكم ذلك من نفسه وعوّد لسانه رفعه ذلك إلى ترك الحلف ساهيا وعامدا ، فإذا اعتاد ذلك فتح اللّه بابا من أنواره يعرف منفعة ذلك في قلبه ، ورفعه في درجة وقوّة في عزمه وفي صبره والثّناء عند الإخوان ، والكرامة عند الجيران حتّى يأتمّ به من يعرفه ويهابه من يراه . والثّانية : يجتنب الكذب لا هازلا ولا جادّا ، لأنّه إذا فعل ذلك وأحكمه من نفسه واعتاده لسانه شرح اللّه تعالى به صدره وصفا به علمه ، كأنّه لا يعرف الكذب ، وإذا سمعه من غيره عاب ذلك عليه وعيّره به في نفسه ، وإن دعا له بزوال ذلك كان له ثواب . الثّالثة : أن يحذر أن يعد أحدا شيئا فيخلفه ، ويقطع العدة ألبتّة فإنّه أقوى لأمره وأقصد بطريقه ، لأنّ الخلف من الكذب ، فإذا فعل ذلك فتح له باب السّخاء ودرجة الحياء ، وأعطي مودّة في الصّادقين ، ورفعة عند اللّه جلّ ثناؤه . الرّابعة : أن يجتنب أن يلعن شيئا من الخلق ، أو يؤذي ذرّة فما فوقها ، لأنّها من أخلاق الأبرار والصّدّيقين ، وله عاقبة حسنة في حفظ اللّه تعالى في الدّنيا مع ما يدّخر له من الدّرجات ، ويستنقذه من مصارع الهلاك ، ويسلّمه من الخلق ، ويرزقه رحمة العباد ، ويقرّبه منه عزّ وجلّ . الخامسة : أن يجتنب الدّعاء على أحد من الخلق وإن ظلمه فلا يقطعه بلسانه ، ولا يكافئه بقول ولا فعل ، فإنّ هذه الخصلة ترفع صاحبها إلى الدّرجات العلى ، وإذا تأدّب بها ينال منزلة شريفة في الدّنيا والآخرة ، والمحبّة والمودّة في قلوب الخلق أجمعين من قريب