عبد القادر الجيلاني

275

فتوح الغيب

المقالة الثّانية والسّبعون فيمن إذا دخل الأسواق ومال إلى ما فيها ومن إذا دخلها وصبر الّذين يدخلون الأسواق من أهل الدّين والنّسك في خروجهم إلى أداء ما أمر اللّه تعالى من صلاة الجمعة والجماعة وقضاء حوائج تسنح لهم على أضرب : منهم من إذا دخل السّوق ورأى فيه من أنواع الشّهوات واللّذّات تقيّد بهما وعلقت بقلبه فتن ، وكان ذلك سبب هلاكه وتركه دينه ونسكه ورجوعه إلى موافقة طبعه واتّباع هواه إلّا أن يتداركه اللّه عزّ وجلّ برحمته وعصمته وإصباره إيّاه عنها فيسلم . ومنهم من إذا رأى ذلك كاد أن يهلك بها رجع إلى عقله ودينه وتصبّر وتجرّع مرارة تركها ، فهو كالمجاهد ينصره اللّه تعالى على نفسه وطبعه وهواه ، ويكتب له الثّواب الجزيل في الآخرة . كما جاء في بعض الأخبار عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنّه قال : « يكتب للمؤمنين بترك شهوة عند العجز عنها أو عند المقدرة سبعون حسنة » أو كما قال « 1 » . ومنهم من يتناوله ويتلبّس بها ويحصّلها بفضل نعمة اللّه عزّ وجلّ الّتي عنده من سعة الدّنيا والمال ، ويشكر اللّه عزّ وجلّ عليها . ومنهم من لا يراها ولا يشعر بها ، فهو أعمى عن ما سوى اللّه عزّ وجلّ فلا يرى غيره ، وأصمّ عمّا سواه فلا يسمع من غيره ، عنده شغل عن النّظر إلى غير محبوبه واشتهائه ، فهو في

--> ( 1 ) لم أجده . وروى مسلم ( 128 ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه مرفوعا : « قال اللّه عزّ وجلّ : إذا همّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه ، فإن عملها فاكتبوها سيئة ، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة ، فإن عملها فاكتبوها عشرا » . ورواه ( 128 ) بلفظ : « قال اللّه عزّ وجلّ : إذا همّ عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة ، فإن عملها كتبتها عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف ، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه ، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة » .