عبد القادر الجيلاني
276
فتوح الغيب
معزل عمّا العالم فيه ، فإذا رأيته وقد دخل السّوق فسألته عمّا رأى في السّوق ؟ يقول : ما رأيت شيئا ، نعم قد رأى الأشياء لكن قد رآها ببصر رأسه لا ببصر قلبه ، ونظرة فجاءة لا نظرة « 1 » شهوة ، نظر صورة لا نظر معنى ، نظر الظّاهر لا نظر الباطن ، فبظاهره ينظر إلى ما في السّوق ، وبقلبه ينظر إلى ربّه عزّ وجلّ إلى جلاله تارة وإلى جماله تارة أخرى . ومنهم من إذا دخل السّوق امتلأ قلبه باللّه عزّ وجلّ رحمة لهم « 2 » ، فتشغله الرّحمة لهم عن النّظر إلى ما لهم وبين « 3 » أيديهم ، فهو من حين دخوله إلى حين خروجه في الدّعاء والاستغفار ، والشّفاعة لأهله ، والشّفقة والرّحمة « 4 » ، ( فقلبه محترق ) عليهم ولهم ، وعينه مغروقة « 5 » ( لأجلهم ) ، ولسانه في ثناء وحمد للّه عزّ وجلّ بما أولى الكافّة من نعمه وفضله . فهذا يسمّى : شحنة البلاد والعباد ، وإن شئت سمّيته : عارفا وبدلا وزاهدا وعالما غوثا « 6 » وبدلا محبوبا مرادا ، ونائبا في الأرض على عباده ، وسفيرا وجهبذا ونفّاذا وهاديا ومهديّا ودالّا ومرشدا فهذا هو الكبريت الأحمر وبيضة العقعق « 7 » . رضوان اللّه عليه وعلى كلّ مؤمن مريد للّه وصل إلى انتهاء المقام ، واللّه الهادي . * * *
--> ( 1 ) في نسخة ( ونظر فجاءة لا نظر ) . ( 2 ) في نسخة ( امتلأ قلبه باللّه لأهله ) . ( 3 ) في نسخة : ( ما لهم بين ) . ( 4 ) في نسخة : ( حين خروجه في دعاء واستغفار ، وشفاعة لأهله ، وشفقة ورحمة ) . ( 5 ) في المطبوع : ( مغزورة ) . ( 6 ) تحرف في المطبوع إلى : ( غيبا ) . ( 7 ) العقعق : طائر أبلق بسواد وبياض ، يشبه صوته العين والقاف .