عبد القادر الجيلاني

203

فتوح الغيب

المقالة الثّانية والأربعون في بيان حالتي النّفس النّفس لها حالتان لا ثالث لهما « 1 » : 1 - حالة عافية ، 2 - وحالة بلاء . فإذا كانت في بلاء فالجزع والشّكوى والسّخط والاعتراض والتّهمة للحقّ جلّ وعلا لا صبر ولا رضا ولا موافقة ، بل سوء الأدب والشّرك بالحقّ والأسباب والكفر . وإذا كانت في عافية فالشّره والبطر واتّباع الشّهوات واللّذّات ، كلّما نالت شهوة طلبت أخرى ، واستحقرت ما عندها من النّعم من مأكول ومشروب وملبوس ومنكوح ومسكون ومركوب ، فتخرج لكلّ واحدة من هذه النّعم عيوبا ونقصا ، وتطلب أعلى منها وأسنى ممّا لم يقسم لها ، وتعرض عمّا قسم لها ، فيرتكب الغمرات ويخوض المهالك في تعب طويل لا غاية له ولا منتهى في الدّنيا ، ثمّ في العقبى ، كما قيل : إنّ من أشدّ العقوبات طلب ما لا يقسم . وإذا كانت في بلاء لا تتمنّى سوى انكشافها وتنسى كلّ نعيم وشهوة ولذّة ولا تطلب شيئا منها ، فإذا عوفيت منها رجعت إلى رعونتها وشرهها وبطرها وإعراضها عن طاعة ربّها وانهماكها في معاصيه ، وتنسى ما كانت فيه من أنواع البلاء والضّرّ وما حلّ بها من الويل ، لمّا اجترحت وركبت من العظائم فطما لها وكفّا عن المعاصي في المستقبل ، إذ لا تصلح لها العافية والنّعمة بل حفظها في البلاء والبؤس ، فلو أحسنت الأدب عند انكشاف البليّة ولازمت الطّاعة والشّكر والرّضا بالمقسوم لكان خيرا لها دنيا وأخرى ، وكانت تجد زيادة في النّعيم والعافية والرّضا من اللّه عزّ وجلّ والطّيبة والتّوفيق ، فمن أراد السّلامة في الدّنيا والأخرى

--> ( 1 ) في نسخة : ( لها ) .